مصطفى الريالات : الأردن يدوّن اسمه في سجل كأس العالم .. إنجاز لا تلغيه الخسارة
مصطفى الريالات
في الرياضة، تقاس الإنجازات عادة بالأرقام والنتائج، لكن بعض اللحظات تتجاوز حسابات الفوز والخسارة لتتحول إلى محطات وطنية تبقى راسخة في الذاكرة الجماعية. وما حققه المنتخب الأردني ببلوغه نهائيات كأس العالم 2026 يندرج ضمن هذا النوع من الإنجازات التي لا تختصرها نتيجة مباراة ولا يلغي أثرها أي تعثر على أرض الملعب.
في مشهد تابعته ملايين العيون حول العالم، ارتفع العلم الأردني بين أعلام الدول المشاركة في كأس العالم 2026، معلنا حضور الأردن للمرة الأولى في أكبر حدث كروي على وجه الأرض. لم يكن ذلك مجرد ظهور بروتوكولي في حفل افتتاح بطولة عالمية، بل كان تتويجا لمسيرة طويلة من العمل والطموح والإصرار امتدت لعقود.
بعد محاولات عديدة اقترب خلالها "النشامى" من تحقيق الحلم ثم ابتعدوا عنه في اللحظات الأخيرة، جاء التأهل إلى المونديال ليكسر حاجزا تاريخيا ظل عصيا لسنوات. لقد كتب المنتخب الأردني صفحة جديدة في سجل الرياضة الوطنية، ووضع اسم الأردن بين المنتخبات التي وصلت إلى أعلى منصة كروية في العالم.
ومنذ اللحظة الأولى لظهوره في البطولة، لم يكن المنتخب الأردني يمثل فريقا لكرة القدم فقط، بل كان يحمل معه قصة وطن كامل، وآمال شعب انتظر طويلا رؤية رايته في هذا المحفل العالمي. ولهذا بدا المشهد مختلفا للأردنيين وهم يشاهدون علم بلادهم يرفرف إلى جانب أعلام القوى الكروية الكبرى.
صحيح أن المباراة الافتتاحية أمام النمسا انتهت بخسارة الأردن بثلاثة أهداف مقابل هدف، لكن النتيجة لم تكن العنوان الأهم في تلك الليلة. ففي الدقيقة الخمسين، سجل علي علوان أول هدف أردني في تاريخ كأس العالم، بعدما أطلق تسديدة رائعة استقرت في الشباك النمساوية.
ذلك الهدف لم يكن مجرد لحظة فرح عابرة، بل محطة تاريخية ستبقى حاضرة في الذاكرة الرياضية الأردنية. فقد أعلن الأردن من خلاله حضوره الرسمي في سجل المونديال، وفتح الباب أمام أجيال قادمة لتبني على ما تحقق وتطمح إلى ما هو أبعد .
وقبل انطلاق البطولة، اختصر قائد المنتخب موسى التعمري فلسفة هذا الجيل عندما قال: "بالنسبة لنا، الأمر لا يتعلق بالمال، بل بالقميص. الأردن في قلوبنا".
لم تكن تلك الكلمات مجرد تصريح إعلامي، بل تعبير صادق عن الروح التي رافقت رحلة المنتخب طوال السنوات الماضية. فقد خاض اللاعبون مشوارهم وهم يدركون أنهم يحملون مسؤولية تمثيل وطن بأكمله، وأن كل دقيقة على أرض الملعب تمثل فرصة لتقديم صورة مشرقة عن الأردن أمام العالم.
لقد أثبت "النشامى" أن الإيمان بالحلم والعمل من أجله قادران على صناعة ما كان يبدو مستحيلا. وربما تختلف التقييمات الفنية للنتائج والأداء، لكن أحدا لا يستطيع أن ينتزع من الأردن حقيقة أنه أصبح جزءا من تاريخ كأس العالم.
ستتغير النتائج، وستنتهي البطولة، وربما تنسى الجماهير تفاصيل كثيرة مع مرور الوقت، لكن هناك صورا لا تغادر الذاكرة أبدا. صورة العلم الأردني في المونديال، وصورة اللاعبين وهم يعزفون لحن الإنجاز الوطني، وصورة أول هدف أردني في كأس العالم.
هذه هي اللحظات التي تبقى. أما النتائج فتبقى مجرد تفاصيل في هامش الحكاية. لأن ما تحقق في صيف 2026 لم يكن مجرد مشاركة في بطولة كروية، بل كان لحظة أردنية خالدة أثبتت أن الأحلام الكبيرة يمكن أن تصبح حقيقة، وأن الأوطان تكتب تاريخها أحيانا بقدم لاعب، وبعلم يرفرف في سماء العالم.
ـ الدستور