ابراهيم غرايبة : تحديات تأسيسية وفلسفية تواجه الإسلام السياسي
تقوم فلسفة (المبادئ والأفكار الأساسية) الإسلام السياسي على تطبيقات معاصرة في الدولة الحديثة المركزية مستمدة من النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعاصر وتكون منسجمة مع الإسلام إن لم تكن تستلهمه أو تطبقه على نحو مباشر، ذلك أن القواعد العامة اليقينية في النصوص الإسلامية محدودة وعامة، وعلى سبيل المثال فإن البنوك المسماة "الإسلامية" ليس يربطها بالإسلام سوى النص القرآني "وأحل الله البيع وحرّم الربا" لكن هذه المنظومة الواسعة من الاستثمارات والمؤسسات والكليات التدريسية والتدريبية هي معارف وتطبيقات اقتصادية ومحاسبية مستمدة من الاقتصاد المعاصر والتراث الفقهي الإسلامي والذي هو أيضا اجتهادات وتطبيقات ظنية اشتغل عليها الفقهاء والقضاة على مدى التاريخ الإسلامي، وكذلك الأمر بالنسبة للنظام السياسي "الإسلامي" أو الحكم "الإسلامي" أو "الدولة الإسلامية" فهي منظومة فكرية سياسية مستمدة من التراث السياسي في العالم كما عالم الإسلام، وتسعى للانسجام والتوافق مع مجموعة من القواعد العامة الصريحة في النص القرآني، وما يظن أو يمكن أن يكون أحاديث نبوية، وهو أمر مستبعد منطقيا وواقعيا، لسبب بسيط وواضح هو أن التطبيقات السياسية الممكنة والمتوقعة في زمن الرسول ليست سوى مجموعة من الأدلة والإرشادات المستمدة من مجتمع محدود ولمدة زمنية قصيرة (عشر سنوات) وما لدينا بالفعل اليوم من الكتب والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه في النظام السياسي الإسلامي هي عمليات استيعاب للتنظيم و الفكر السياسي المعاصر المطبق في أوروبا والغرب؛ وتحديدا في بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية. هكذا فإن تسمية "إسلامية" لا تتجاوز كونها عمليات مواءمة وانسجام ظنية وتقديرية مع النصوص والتجارب والأمثلة الإسلامية، وهكذا أيضا فإننا نجد أن الفكر الإسلامي المعاصر هو متعدد ومتنوع ومتباين الاتجاهات والآراء بسبب تنوع المشارب والتجارب والفلسفات السياسية والاقتصادية، فهي منظومات محافظة إسلامية، أو ليبرالية إسلامية، أو يسارية أو اجتماعية أو اشتراكية إسلامية، وفي واقع الحال فإنها الخطاب (بمعنى المعالجة المنهجية والمؤسسية والسلطوية للنصوص الدينية والتراثية) السياسي الإسلامي هو الخطاب السياسي للمسلمين، وكذا الحال بالنسبة للاقتصاد والتعليم والإعلام والبنوك وأسلوب الحياة،..
كيف يمكن استيعاب دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية اليوم في الدولة والتنظيم السياسي والاقتصادي ومعظمها لم يعد جزءا من الدولة؟ وما معنى "الدولة الإسلامية" اليوم والتي يدعو إليها الإسلام السياسي؟ هل هي الدولة التي كانت في أذهان أصحاب المصطلح عندما اطلقوه في النصف الأول من القرن العشرين؟ وهو بالمناسبة مصطلح مختلف في معناه وتطبيقاته عن مفهوم الحكم والدولة في عالم العرب والمسلمين على مدى التاريخ الإسلامي السابق للقرن التاسع عشر، بل إن مصطلح ومفهوم "الدولة" لم يكن مستخدما من قبل بالمعنى السائد اليوم. هكذا فكما نشأ مفهوم "الدولة الإسلامية" مصاحبا لتشكيل الدول المركزية الحديثة منذ نهايات الحرب العالمية الأولى، فإنه اليوم يواجه تحديات التحول في مفهوم الدولة ووظائفها الجديدة والمختلفة عما كان سائدا ومتبعا منذ تشكلت الدولة الحديثة بمفهومها المكاني والسيادي والمؤسسي في القرن السابع عشر، ثم وصلت إلينا بعد الحرب العالمية الأولى بل إن معظم الدول العربية والإسلامية لم تنشئ دولها الحديثة إلا بعد نهايات الحرب العالمية الثانية، ويمكن الملاحظة على سبيل المثال أن الدول المؤسسة لعصبة الأمم لم تكن تزيد على 25 دولة، في حين أن الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة والتي أسست بعد الحرب العالمية الثانية تناهز المائتي دولة.
في هذا السياق فإن ما يمكن ويجب فعله هو أن نفكر جميعا بإعادة النظر في التنظيم المؤسسي للموارد والأعمال، وملاحظة ما يمكن الاستغناء عنه، وما يمكن دمجه بغيره، وما يمكن إسناده إلى المجتمعات والأفراد بدلا من السلطة السياسية، .. وأخيرا ما يجب إنشاؤه من مؤسسات وقيم جديدة لتنظيم الحياة والسلوك والموارد والأعمال. وعلى سبيل المثال يجري إسناد الشأن الديني والثقافي إلى البلديات والمجتمعات والمنظمات الاجتماعية، وتنسحب الدول من إدارة وتنظيم هذه المجالات، وتكتفي بالدعم والتنسيق وتطبيق القوانين الناظمة للمؤسسات والأعمال، وينتقل الحكم المحلي إلى المدن والبلديات ليدير الناس بأنفسهم مجموعة من الموارد والأولويات الأساسية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والأمن،
لكن في الوقت نفسه تتطور وزارة الشؤون الاجتماعية لتكون وزارة سيادية كبرى مثل وزارتي التعليم والصحة، لأجل إدارة وتنسيق وضمان خدمات وإنجازات أساسية، ذلك أن الموارد الكبرى والأعمال صارت تعتمد أساسا على تعليم جيد وكفؤ، ورعاية صحية واجتماعية متقدمة، وفي ذلك تركز السلطات السياسية جهودها ومواردها وأعمالها في الارتقاء بالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وتتجه الأعمال والأسواق إلى الانكفاء على احتياجات وتطلعات المجتمعات والمدن التي هي أيضا تنكفئ وتستقل بنفسها، فتتطور الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية الموجهة أساسا للمجتمعات والأسر وتحسين حياة الناس بالاتجاه الذي يمنح الناس المشاركة الاقتصادية والاجتماعية .. والمعنى والجدوى، وينشئ تماسكا اجتماعيا في إطار المدن والبلدات، وحول ذلك تنشئ المدن والمجتمعات الأسواق والمرافق الصحية والاجتماعية والثقافية على النحو الذي تدير به شؤونها وتشغل أكبر عدد من الناس إن لم يكن جميع الناس.
هكذا سيكون لكل مدينة، إن لم يكن جميع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية من غير حاجة إلا بنسبة قليلة للدولة المركزية والعاصمة، وتتحول الدول إلى منظومات فيدرالية من عدد كبير من المدن المستقلة أو شبه المستقلة، ويملك المواطنون جميع الموارد والمؤسسات الناظمة لحياتهم وأعمالهم، وتنسحب المؤسسات المركزية وتعيد تنظيم أهدافها واتجاهاتها وعلاقاتها بالمستهلكين والأسواق والسياسة والاجتماع باتجاهات وقواعد مستمدة من المشاركة والندية.
وبالطبع فإنها اتجاهات وقيم لا تأتي مستقلة أو استجابة لاقتراحات ومواعظ ثقافية أو توجيهية، لكن التطور التقني الجاري في العالم يتيح للناس القدرة على إنتاج وامتلاك الطاقة والتواصل مع العالم والقدرة على إنتاج الأعمال والموارد من غير حاجة كبرى لمؤسسات واستثمارات كبرى أو مركزية، نتحدث عن تنظيم اجتماعي اقتصادي تدعمه التكنولوجيا والموارد الجديدة، وليس من بشرى ومواعظ ليبرالية أو أيديولوجية.
وأخيرا فهناك ثلاثة متغيرات أساسية لم تؤخذ بعد بالاعتبار على نحو كاف في تصور المستقبل والدول والمجتمعات بما هو مرتبط أساسا بالتنمية الإنسانية المؤشر إليها بالحريات والعدالة والتعليم والصحة والتكامل الاجتماعي والدخل)، وهي: الخصخصة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية؛ وضعف المجتمعات وتهميشها؛ مؤشرا إلى ذلك بوضوح في فرص التوظيف في القطاع المجتمعي، وفي أداء النقابات والبلديات والمنظمات والمرافق والأولويات الاجتماعية)؛ والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لاقتصاد المعرفة (الحوسبة والاتصالات والشبكية و"الروبتة" والطابعات ثلاثية الابعاد...) والتغييرات الكبرى التي حصلت في العمل والمهارات الجديدة المطلوبة في العمل والحياة؛ ..ومن هنا يبدأ التفكير أو التقييم لمسار ومستقبل الدول والمجتمعات "الإسلامية" وما يمكن أن تؤديه أو تشارك فيه الجماعات.