راكان السعايدة : ماذا يعني التفاهم الأميركي الإيراني؟
راكان السعايدة
ملفان لم تستطع أميركا أن تفرض مناقشتهما على إيران: البرنامج الصاروخي، ودعم الحلفاء.
هذان الملفان، وبخاصة البرنامج الصاروخي، سبق أن فشلت أميركا في عهد باراك أوباما (مفاوضات عُمان 2015) في دفع إيران إلى وضعهما على طاولة التفاوض.
واقعياً، ما يقلق أميركا و"إسرائيل" أكثر من البرنامج النووي هو البرنامج الصاروخي، فهو الأهم، إن لم تكن أهميته تساوي أهمية البرنامج النووي.
وربما هذا ما يفسر حالة الصدمة والإحباط ورد الفعل الإسرائيلي الغاضب من مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، التي بدا منها أن زعيم البيت الأبيض دونالد ترمب لم يُقم وزناً كبيراً لرأي رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو وحساباته الشخصية، وهو سيعمل المستحيل لافشال المفاوضات النهائية.
ترمب تطغى عليه، أحياناً، حسابات التاجر أكثر من حسابات السياسي، فإلى جانب تهديد المصالح الاقتصادية، لم ينس أن نتنياهو ورطه في الحرب على إيران، وأقنعه أن نظامها سيسقط في الساعات الأولى للحرب.
هذا لم يحدث، النظام الإيراني صمد رغم تصفية قيادات سياسية وعسكرية وأمنية، على رأسها المرشد علي خامنئي، بل ردّ خلال ساعات قليلة من تلقيه الضربة الأولى بقوة على "إسرائيل" وكل الأصول الأميركية في دول المنطقة.
هذا فاجأ أميركا و"إسرائيل" ودول المنطقة والعالم، فلم يتخيل أحد أن إيران ستكون قادرة على الصمود ومُناددة قوة عالمية (أميركا) وأخرى إقليمية (إسرائيل).
بالنهاية، هذا الذي حدث، إيران جابهت وآلمت أميركا و"إسرائيل" وكل دولة فيها قواعد وأصول أميركية، وحتى أصول طاقوية لهذه الدول، وأقصد هنا دول الخليج.
فإيران اكتشفت أن تحت سيطرتها ما هو أقوى أو يماثل القوة النووية والصاروخية، ألا وهو مضيق هرمز، الذي وضع الدول المصدرة والمستهلكة للنفط والغاز، وكذلك سلاسل الإمداد التجاري، تحت رحمتها، وهذا سلاح نفوذ عالمي ستتقن إيران توظيفه جيداً في ترسيخ نفوذها الإقليمي عبر مخاوف عالمية.
مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، التي سترغم "إسرائيل" على القبول بها، هي التعبير الأدق عن فشل المشروع الأميركي "الإسرائيلي" الذي أراد تغيير الشرق الأوسط على مقاسهما، على وقع تصفية قوى المقاومة والنظام الإيراني.
ببساطة شديدة، أميركا وحليفتها "إسرائيل" لم تحققا أهم أهدافهما في إيران ومن خلالها، وذلك:
أولاً: ليس فقط فشلتا في فرض ما تريدانه بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم الحلفاء في (لبنان والعراق واليمن وقطاع غزة)، فالفشل تركز أساساً في أنهما لم تنجحا في إسقاط نظام إيران واستبداله بنظام حليف، وهذا كان هدفاً معلناً.
ثانياً: لن تحقق أميركا و"إسرائيل" بشأن البرنامج النووي الكثير؛ فإيران ستفاوض عليه لتحقيق مكاسب، ولن تقدم لترمب سوى ما كانت ستقدمه له في المفاوضات التي كانت تجري قبل الحرب، وما كانت قدمته لأوباما قبل أن يأتي ترمب وينسفه. أي إن إيران لا تستعجل الوصول إلى سلاح نووي، وهي اليوم تلتقط فرصة تاريخية لإعادة تموضعها الإقليمي والعالمي بعد حصار وعزلة قاربا خمسين عاماً.
ثالثاً: تظهر التعهدات التي قدمتها أميركا لإيران، ومن قبل مجريات الحرب، في السياق التحليلي، أن البيت الأبيض أدرك حدود القوة، وهذا أيضاً أدركه حلفاء أميركا في المنطقة، على نحو يبين مدى تآكل الهيمنة الأميركية وتراجع تأثيرها.
رابعاً: الاضطرار الأميركي للخيار الدبلوماسي مع إيران بعد الفشل العسكري أدى إلى مأزق أميركي داخلي يستثمره الحزب الديمقراطي المناوئ لترمب وحزبه (الجمهوري)، ولهذا انعكاساته السلبية المتوقعة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، ما قد يفقد ترمب الهيمنة على مجلسي الكونغرس (النواب والشيوخ)، أو أحدهما على الأقل.
"إسرائيل" الخاسر الأكبر من كل ما يجري؛ فهي:
أولاً: فشلت في إسقاط نظام إيران، ومن قبل فشلت في تصفية المقاومة في غزة ولبنان، ولن يكتب لها النجاح في اليمن إن حاولت.
ثانياً: ردود فعل الأحزاب والنخب، حتى المتحالفة مع نتنياهو، على التفاهمات الأميركية الإيرانية تؤكد مأزق الكيان وإحساسه بتعاظم التهديد الوجودي.
ثالثاً: يدرك الكيان أن عزلته العالمية تعاظمت، وأن حجم تأثيره في أميركا وأوروبا يتراجع.
رابعاً: أدرك أن مشروعه الشرق أوسطي سقط، صحيح أن الشرق الأوسط يتغير، لكن ليس وفقاً لحسابات واعتبارات "إسرائيل"، وأن توسيع "الاتفاق الإبراهيمي" بات صعباً إن لم يصبح مستحيلاً.
خامساً: ستلجأ قوى الكيان الحاكمة الى تسريع اجراءات ضم الضفة الغربية والمقدسات كجزء من التعويض عن الفشل، ومحاولة النجاة من توسع قوة المعارضة المرجح ان تحصل على الأغلبية في انتخابات الكنيست على وقع سلسلة الاخفاقات التي منى بها الليكود.
إيرانياً، من الواضح بالتحليل الأولي أنها حققت جملة أهداف رغم الضربات القاسية التي تلقتها:
الأول: اختبرت المواجهة المباشرة مع أميركا و"إسرائيل"، وهذه مسألة مهمة وغير مسبوقة، فهي من قبل كانت تخوض المواجهات مع "إسرائيل" عبر الحلفاء، وكذلك الأمر مع أميركا في العراق، أي إن إيران اختبرت قوتها مباشرة، ووقفت على نقاط قوتها وضعفها.
ثانياً: بالإضافة إلى الفارق في القدرات الصاروخية والمسيّرات، اختبرت إيران قدرة النظام على الصمود حتى مع تصفية قيادات أساسية ومهمة فيه، وهذا يثبت أن النظام مبني على مؤسسات أكثر منه على أشخاص.
ثالثاً: دعم حزب الله يعطي رسالة لكل حلفاء إيران بأنها لا تتخلى عنهم ولا تتاجر بهم، بل استطاعت طهران أن تفرض معادلة عسكرية ردعية جديدة مع "إسرائيل" في لبنان.
رابعاً: إيران وإن عانت التدمير وتصفية قيادات فيها، فهي أيضاً ترى أنها بإزاء فرصة تاريخية للتخلص من الحصار والعقوبات المفروضة منذ عقود، ولن تفوّت هكذا فرصة قد لا تتوافر لسنوات طويلة قادمة.
خامساً: عبر قدراتها الصاروخية والحلفاء ومضيق هرمز، ستعيد إيران تموضعها العالمي، وليس الإقليمي فقط، وستستثمر في ذلك لتحقيق أكبر قدر من مصالحها خاصة الاقتصادية لتخفيف صعوبات هذا الجانب.
أما خليجياً وعربياً:
فأولاً: تأكدت دول المنطقة أن إيران قدر لا يمكن التخلص منه، ولا بد من التفاهم معه ومحاولة الوصول معاً إلى تفاهمات تضمن أمن الإقليم واستقراره.
ثانياً: تأكدت دول المنطقة أن أميركا لا تملك قدرات عسكرية خارقة لحمايتها، وهذا كان جلياً في الحرب، فأميركا عجزت عن حماية أصولها وقواعدها، وعجزت أيضاً عن حماية هذه الدول ومقدراتها، وكانت أولويتها حماية إسرائيل، وفشلت حتى في هذه.
ثالثاً: نتيجة الحرب أثبتت لدول الخليج، أو هكذا يفترض، أن بناء اقتصادياتها وموازناتها اعتماداً على الطاقة وحدها خطر كبير، فروحها الاقتصادية والمالية بيد مضيقي هرمز وباب المندب إلى أن تجد بديلاً، وهذا صعب الآن على الأقل.
رابعاً: تأكد لهذه الدول أن أمن الخليج والمنطقة لا يمكن أن تضمنه لا أميركا ولا "إسرائيل"، وهذا لا بد أن يكون حافزاً لبناء نظام أمني إقليمي ذاتي.
إن التقييمات الأولية أعلاه، وربما ما سيتضح في مقبل الأيام، تبين أنه استراتيجياً إيران ربحت إلى حد كبير، وأميركا و"إسرائيل" خسرتا إلى حد كبير أيضاً، وأن على الدول العربية في الإقليم أن تختط لنفسها طريقاً يحميها ويحفظ مصالحها، وأن تدرك جميعها أن أمنها ومصالحها رهن تفاهمات بينها أولاً، ومع قوى الإقليم (إيران وتركيا) ثانياً.
السؤال الختامي؛ على الرغم من كل هذه التداعيات، ألا يمكن أن تفكر أميركا، ولو من باب المحاولة، أن تنقذ نفوذها عبر إعادة تشكيل نفوذ قوى الإقليم بأدوار أكبر لإيران وتركيا و"إسرائيل"؟ وإلى أي حد يمكن أن ينجح هكذا سيناريو؟