عبد الله مصطفى السعود : الاستمرارية الأردنية.. حين تتحول الشرعية إلى مؤسسات
ليست قيمة المحطات الوطنية الكبرى في استدعاء الذاكرة فحسب بل في قدرتها على تفسير الحاضر وصياغة الوعي بالمستقبل فبعض المناسبات تقاس بوقع الحدث واخرى تتجاوز الزمن لتغدو جزءاً من فكرة الدولة ذاتها.
وفي الحالة الأردنية يبدو عيد الجلوس الملكي وعيد الجيش العربي والثورة العربية الكبرى محطات في سردية وطنية واحدة بدأت بفكرة وترسخت بقيادة هاشمية وتعززت عبر مؤسسات جعلت بناء الدولة مساراً متواصلاً لا يتوقف عند جيل أو ظرف.
في هذا السياق يبرز دور الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعزز بوصفه امتداداً لهذه السردية ورأساً لمسار دولة اختارت التحديث خياراً استراتيجياً لا ظرفياً فمنذ توليه سلطاته الدستورية حمل مشروع دولة يقوم على تعزيز المؤسسات وتطوير الأداء العام والانفتاح على مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري بما يرسخ قدرة الدولة على مواجهة التحديات دون المساس بثوابتها.
ولم تكن مسارات التحديث في عهده استجابة آنية بل جزءاً من رؤية متراكمة تستند إلى فكرة الدولة القادرة ، دولة تدار بكفاءة مؤسسية وتبنى على المشاركة وتوسيع الفعل العام مع الحفاظ على التوازن بين الاستقرار والإصلاح.
وتعود الثورة العربية الكبرى لتشكل الجذر التاريخي للفكرة باعتبارها لحظة تأسيس لمعاني الحرية والكرامة والهوية التي انطلقت منها ملامح المشروع الأردني الحديث ومن هذا الامتداد تشكلت هوية سياسية تقوم على الاعتدال والتوازن والقدرة على التكيف مع التحولات دون التفريط بالثوابت.
أما عيد الجلوس الملكي وعيد الجيش العربي فهما في الوجدان الوطني أكثر من مناسبات زمنية فهما تعبير عن استمرارية الدولة في صورتها المؤسسية فالاستقرار الذي راكمه الأردن لم يكن حالة ساكنة بل عملية بناء متواصلة تتداخل فيها القيادة مع المؤسسات ويتكامل فيها السياسي مع الأمني والتنفيذي.
ويظل الجيش العربي أحد أهم ركائز هذه المنظومة ليس بوصفه قوة عسكرية فحسب بل باعتباره مؤسسة وطنية أسهمت في حماية الدولة وصون استقرارها وارتبط حضوره في الوعي العام بمعاني الانضباط والتضحية والالتزام.
إن قراءة هذه المحطات مجتمعة تكشف أن شرعية الدولة الأردنية لم تبن على التاريخ وحده بل على قدرتها المستمرة على إنتاج الفعل المؤسسي وتطويره فالدول التي تدرك جذورها تكون أقدر على إدارة حاضرها وأوسع رؤية في استشراف مستقبلها.
وفي المحصلة فإن عيد الجلوس الملكي وعيد الجيش العربي والثورة العربية الكبرى ليست مجرد مناسبات وطنية متجاورة بل حلقات في مشروع دولة نجحت في تحويل الشرعية التاريخية إلى مؤسسات راسخة والانتماء إلى مسؤولية وطنية والاستقرار إلى قاعدة للتقدم وهي مسيرة تتجدد بقيادة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وبإرادة الأردنيين وبمؤسسات جعلت من الدولة مشروعاً مستمراً يتطلع بثقة نحو المستقبل.
حفظ الله الأردن وطناً وشعباً وقيادة وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.