اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : حزيران الذي لم يغادر

رمزي الغزوي : حزيران الذي لم يغادر
أخبارنا :  

مع أن هزيمة الخامس من حزيران 1967 تكبرني بخمس سنوات، فإنها ما تزال تبدو لي حدثا طازجا لم يبتعد بما يكفي كي يصبح ذكرى. كأن طلق مخاضها لم يخفت بعد، وكأن الدم الذي سال في طرقاتها لم يجف تماما. أراها جرحا مفتوحا أكثر مما أراها صفحة من كتاب التاريخ، وأشعر بها كملح قديم ما يزال يلسع الجلد كلما ظننا أن الندبة التأمت. لقد ورثناها كما يرث الأبناء ملامح آبائهم؛ لا بوصفها واقعة مضت، وإنما باعتبارها ظلا ثقيلا رافق أجيالا كاملة، حتى بدا أننا ولدنا مثقلين بأوزار لم نصنعها، ومنحنين تحت أحمال سبقت ولادتنا.

عادة ما تبدأ المصائب هائلة، ثم يأكل الزمن أطرافها حتى تتراجع إلى حجم يمكن احتماله. غير أن هزيمة حزيران سلكت طريقا معاكساً. ولدت كبيرة، ثم أخذت تنمو مع مرور الوقت. وكلما ظننا أننا تجاوزناها، اكتشفنا أنها كانت تتفرع في مكان آخر. لم تبق حدثا عسكريا انتهى بانتهاء الحرب، وإنما تحولت إلى تربة نمت فيها هزائم لاحقة وانكسارات متتابعة. كأن تلك السحابة السوداء لم تغادر سماءنا قط، وكلما خف ظلها قليلا تمددت منها غيوم جديدة.

ولأننا بارعون في تلطيف الكوارث بالألفاظ، أطلقنا على الهزيمة اسم «النكسة». كلمة خفيفة الوقع، توحي بعثرة عابرة أكثر مما توحي بانهيار كبير. وكأن ما جرى لم يكن سوى تعثر مؤقت لجواد أصيل سيستعيد توازنه بعد لحظات ويواصل الركض. غير أن أخطر ما يصيب الأمم ليس الهزيمة نفسها، وإنما العجز عن تسميتها باسمها. فالمواجهة تبدأ بالاعتراف، والشفاء يبدأ حين ننظر إلى الجرح دون مساحيق أو مواربة. أما حين نتقن تجميل الخسارات وتدليلها بالأسماء المخففة، فإننا نؤجل الحساب ولا نلغيه.

لهذا استطاعت أمم أخرى أن تنهض من تحت ركام حروبها. خرجت اليابان من هزيمتها أكثر قوة، وأعادت ألمانيا بناء نفسها فوق أنقاض كارثة تاريخية هائلة. لم يكن السر في أن خسائرهم كانت أقل، وإنما في أنهم واجهوا واقعهم كما هو، ثم شرعوا في إعادة بنائه. أما نحن فبدونا أحيانا كمن يطارد ظله. فما إن تخبو هزيمة حتى تلد أخرى، وما إن يندمل جرح حتى ينفتح غيره. ومن اجتياح لبنان إلى المآسي التي عصفت بالعراق وسواه، بدا المشهد وكأن حزيران لم ينته فعلا، وإنما غير وجوهه وأسماءه فقط.

كنا نقول قديما إن حصرم هذا الشهر سيبقى حصرما ما بقيت الدوالي، وإن شموس الدنيا كلها لن تنضجه عنبا. وكان في ذلك شيء من المرارة الشعبية التي تدرك أن بعض الأخطاء لا تصلحها الأيام وحدها. واليوم لم نعد نخشى بقاء الحصرم على حاله بقدر ما نخشى أن ينضج على نحو خاطئ، وأن نحول خيباتنا إلى أوهام مخمرة في الأقبية، نرتشفها جيلا بعد جيل حتى نفقد القدرة على رؤية الحقيقة.


مواضيع قد تهمك