اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. عامر عليوي : حرب حزيران.. حين ارتقى الشهيد قبل أن تُقلع الطائرة

م. عامر عليوي : حرب حزيران.. حين ارتقى الشهيد قبل أن تُقلع الطائرة
أخبارنا :  

في ذكرى حرب حزيران، لا تُستعاد الوقائع كصفحاتٍ من التاريخ، بل كنبضٍ حيّ في ذاكرة رجالٍ عاشوا اللحظة بكل ثقلها، فصارت جزءًا لا يُمحى من وجدانهم. ومن بين تلك الشهادات، تبقى رواية والدي، رحمه الله، الأكثر حضورًا في ذاكرتي ووجداني؛ لأنها لم تكن رواية تُحكى، بل قسمًا يُورث وذاكرةً تُحفظ.

كان والدي ضابطًا في سلاح الجو الملكي الأردني منذ بدايات تأسيسه، من الجيل الذي حمل على عاتقه بناء هذا الصرح وتثبيت دعائمه الأولى. وفي الساعات الأولى من حرب عام 1967، كان في قلب المطار العسكري، حيث تختلط الجاهزية بثقل اللحظة، ويقف الرجال على حافة التاريخ.

كان يقول لي: كنت من بين الذين أشرفوا على تجهيز طائرة الطيار فراس العجلوني. أنهينا تحميلها بالقنابل، وأُجريت الفحوصات الأخيرة، وكانت جاهزة للإقلاع مجددا. كان فراس شابًا هادئًا، ثابت النظرة، واثقًا، يستعد لأداء واجبه دون تردد، كما يفعل الرجال الذين نذروا أنفسهم للوطن.

لكن لحظات الهدوء القصيرة انكسرت على وقع القدر. بدأت الغارات المعادية، وتعالت الانفجارات في محيط المطار، قبل أن تصيب إحدى الضربات الطائرة وهي على الأرض، في لحظة واحدة غيّرت كل شيء.

ويكمل والدي بصوتٍ ما زال صداه حاضرًا في الذاكرة: رأيت الطائرة تُقصف أمام عيني ولم يُكتب لفراس أن يُقلع بها، لكنه سبقها إلى السماء شهيدًا. كانت لحظةً أدركنا فيها أن البطولة ليست في الإقلاع فقط، بل في الثبات حتى آخر نفس.

رحم الله والدي، ورحم الله الشهيد فراس العجلوني ورفاقه من أبطال سلاح الجو الأردني، الذين كتبوا بدمائهم فصولًا لا تُنسى من الشرف والتضحية.

هذه ليست مجرد رواية بل شهادة تُذكّرنا بأن الأوطان لا تُصان إلا برجالها، وأن الكرامة لا تُكتب بالكلمات بل بالفعل، وأن من يرحلون في سبيلها لا يغيبون، بل يتحولون إلى علاماتٍ في ذاكرة وطن.

وتبقى حكايتهم حيّة ما دام في القلب نبض، وفي الذاكرة وفاء، وفي هذا الوطن رجالٌ يعرفون أن التضحية ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها.


مواضيع قد تهمك