اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. كميل الريحاني : السردية الأردنية وضرورة سبر غورها لإظهار غناها بتاريخ المجد والأجداد

د. كميب الريحاني : السردية الأردنية وضرورة سبر غورها لإظهار غناها بتاريخ المجد والأجداد
أخبارنا :  

في زمنٍ تتسابق فيه الأمم إلى توثيق رواياتها الوطنية وصياغة سردياتها التاريخية والثقافية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة قراءة السردية الأردنية واستكشاف كنوزها الغنية التي تختزن بين صفحاتها مسيرة وطنٍ عريقٍ صنع تاريخه بإرادة أبنائه وتضحيات رجاله ونسائه على امتداد العقود والقرون.

فالسردية الوطنية ليست مجرد سردٍ للأحداث والوقائع، بل هي الذاكرة الجمعية للأمة، والوعاء الذي يحفظ هويتها وقيمها وتجاربها، ويمنح الأجيال الجديدة القدرة على فهم حاضرها واستشراف مستقبلها من خلال معرفة جذورها العميقة في التاريخ.

والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتنوع حضاراته وتراكم خبراته التاريخية، يمتلك سردية وطنية ثرية تستحق المزيد من البحث والتوثيق والإبراز. فمنذ الحضارات القديمة التي ازدهرت على أرضه، مروراً بالعصور الإسلامية المختلفة، وصولاً إلى مرحلة تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، ظل هذا الوطن مسرحاً لأحداث كبرى وشاهداً على محطات مفصلية في تاريخ المنطقة.

وعندما نتحدث عن السردية الأردنية، فإننا لا نتحدث فقط عن تأسيس الدولة الحديثة عام 1921، بل عن إرث حضاري متجذر في عمق التاريخ، حيث قامت على أرض الأردن ممالك الأنباط والمؤابيين والأدوميين والعمونيين، وتعاقبت عليه حضارات تركت بصماتها في وجدان المكان والإنسان. وما تزال شواهد التاريخ في البترا وجرش وأم قيس والكرك وعجلون شاهدة على غنى هذا الإرث وتنوعه.

أما في التاريخ الحديث، فقد برزت شخصيات وطنية وقومية لعبت أدواراً مفصلية في بناء الأردن وترسيخ دعائم الدولة. ويأتي في مقدمة هؤلاء الملك المؤسس الملك عبدالله الأول ابن الحسين الذي وضع اللبنات الأولى للدولة الحديثة، وقاد مشروعاً سياسياً طموحاً أسهم في ترسيخ مؤسسات الحكم والإدارة.

كما يحتل الراحل الملك الحسين بن طلال طيّب الله ثراه مكانة استثنائية في الذاكرة الوطنية الأردنية، فقد قاد البلاد خلال عقود مليئة بالتحديات والتحولات الإقليمية، واستطاع بحكمته السياسية أن يحافظ على استقرار الأردن ووحدته الوطنية، وأن يبني جسور الثقة بين القيادة والشعب.

ويواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أدامه الله مسيرة البناء والتحديث، حاملاً رؤية تستند إلى تطوير الدولة وتعزيز دور الشباب والاستثمار في الإنسان الأردني بوصفه الثروة الحقيقية للوطن.

ولا تكتمل السردية الأردنية دون التوقف عند أبطال الجيش العربي والأجهزة الأمنية الذين قدموا التضحيات دفاعاً عن الوطن والأمة. فمن معارك القدس واللطرون وباب الواد، إلى معركة الكرامة الخالدة، سطر الجنود الأردنيون صفحات مشرقة من البطولة والفداء ما زالت تدرس كنماذج للشجاعة والانتماء.

كما أن العشائر الأردنية شكّلت على الدوام ركناً أساسياً في بناء الدولة، وأسهمت في ترسيخ قيم التكاتف والتضامن الاجتماعي، وكانت شريكاً حقيقياً في مسيرة النهضة الوطنية. وإلى جانبها برزت شخصيات سياسية وفكرية وأدبية وعلمية أثرت الحياة العامة وأسهمت في تشكيل الهوية الوطنية الأردنية.

ومن هنا تبرز ضرورة إعادة قراءة السردية الأردنية بصورة علمية وموضوعية، بعيداً عن الاختزال أو الاقتصار على بعض المحطات التاريخية دون غيرها. فالأردن يمتلك قصص نجاح وإنجازات وتجارب إنسانية ووطنية تستحق أن تُروى للأجيال القادمة، وأن تتحول إلى مادة معرفية وثقافية حاضرة في المناهج الدراسية والإنتاج الإعلامي والبحث الأكاديمي.

كما أن إبراز السردية الأردنية يسهم في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الثقة بالنفس لدى الشباب، ويحصّن المجتمع أمام محاولات التشكيك أو تزييف التاريخ، خاصة في عصر تتعدد فيه مصادر المعلومات وتتسارع فيه حملات التضليل.

إن سبر غور السردية الأردنية ليس ترفاً ثقافياً، بل واجب وطني وأخلاقي تجاه وطنٍ قدم الكثير لأبنائه، وتجاه رجالٍ ونساءٍ صنعوا تاريخاً من العطاء والتضحية والإنجاز. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها وتحسن رواية قصتها هي الأمم الأقدر على حماية مستقبلها، والأردن يمتلك من المجد والتاريخ والبطولات؛ ما يجعله جديراً بسردية وطنية تليق بمكانته وتضحيات أبنائه عبر الأجيال. ــ الدستور


مواضيع قد تهمك