اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

خلود العميان : الأردن الذي نعرفه .. لماذا ننتظر وقوع المأساة؟

خلود العميان : الأردن الذي نعرفه .. لماذا ننتظر وقوع المأساة؟
أخبارنا :  

كمغتربة أردنية أتابع أخبار وطني من الخارج، أجد نفسي أسأل السؤال ذاته كل يوم: لماذا ننتظر وقوع المأساة؟ كل صباح نفيق على مأساة إنسانية جديدة.


انتحار، جريمة إلكترونية، قضية تشهير أو قذف، حادثة عنف، تنمر اجتماعي، هتك عرض، أو وفاة مأساوية تنتهي بخسارة إنسانية تهز المجتمع لأيام، ثم ننتقل إلى الخبر التالي. نغضب. نتعاطف. نطالب بالمحاسبة. نكتب المنشورات. نتبادل الاتهامات...ثم ننتظر المأساة التالية.


السؤال الذي يجب أن يؤرقنا جميعًا ليس: من المخطئ؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا ننتظر وقوع المأساة أصلًا؟


لماذا لا نتحرك إلا بعد أن يفقد إنسان حياته؟ لماذا لا نلتفت إلى الضحية إلا بعد أن تصبح قصتها عنوانًا متداولًا؟ ولماذا نتعامل مع كل حادثة وكأنها حدث مفاجئ هبط علينا من السماء، رغم أن معظم المآسي تسبقها إشارات وتحذيرات كان يمكن رؤيتها لو كنا نبحث عنها؟


لنتفق على انه ..لا توجد جريمة تولد في لحظة...ولا يوجد عنف يظهر فجأة...ولا يوجد إنسان يصل إلى الانهيار بين ليلة وضحاها.


خلف كل مأساة قصة طويلة من الإشارات التي لم يلتفت إليها أحد. ضغوط اقتصادية، اضطرابات نفسية، تفكك أسري، تنمر، عزلة، خطاب كراهية، أو استغاثات صامتة لم تجد من يسمعها.


ولهذا فإن السؤال لم يعد يتعلق بالجريمة وحدها، ..بل بقدرتنا كمجتمع على رؤية ما قبل الجريمة.


ما نحتاجه اليوم ليس فقط عقوبات أشد، بل وقاية أقوى. ليس فقط محاسبة بعد وقوع الضرر، بل تدخلًا قبل وقوعه. ليس فقط إدارة للأزمات، بل منعًا لها.


الأمر الأكثر إثارة للخوف ليس الجريمة نفسها، بل أن نعتادها.

أن تصبح أخبار الانتحار والعنف والتشهير جزءًا من يومنا العادي.


أن نقرأ الخبر، نهز رؤوسنا بحزن، ثم نكمل يومنا وكأن شيئًا لم يكن.

عندما يعتاد المجتمع على الصدمة، تبدأ المشكلة الحقيقية.


والمؤلم أن سقف بعض الجرائم والحوادث يرتفع بصورة تدفعنا للتساؤل بذهول: هل هذا حقًا يحدث في الأردن الذي نعرفه؟


الأردن الذي نعرفه ليس مجرد حدود وجغرافيا. الأردن الذي نعرفه هو منظومة قيم، وأسرة، وجيرة، وتكافل، وأمان اجتماعي حافظ على تماسك المجتمع لعقود طويلة.


ولهذا فإن حماية الأردن لا تبدأ بعد وقوع المأساة، بل قبلها.


تبدأ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن المؤسسات الاجتماعية، ومن الصحة النفسية، ومن تطبيق القانون، ومن بناء ثقافة مجتمعية تعتبر الوقاية مسؤولية جماعية وليست مهمة جهة واحدة.


فالنجاح الحقيقي لأي مجتمع لا يقاس بعدد القضايا التي عالجها، بل بعدد المآسي التي منع وقوعها.


واليوم، قبل أن نهتز على وقع المأساة القادمة، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا:


كم مأساة أخرى نحتاج حتى نقتنع أن الوقاية ليست خيارًا، بل ضرورة وطنية؟





مواضيع قد تهمك