اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عبد الحفيظ العجلوني : بين مطرقة ترامب وسندان طهران: العالم رهينة سياسة عضّ الأصابع

د. عبد الحفيظ العجلوني : بين مطرقة ترامب وسندان طهران: العالم رهينة سياسة عضّ الأصابع
أخبارنا :  

تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة يمكن وصفها بسياسة "عضّ الأصابع”، حيث لا يبدو أي من الطرفين مستعداً لأن يكون أول من يصرخ ألماً أو يتراجع خطوة إلى الوراء. فالولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب ترفع سقف مطالبها إلى حدود الاستسلام الكامل تقريباً فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران، في وقت يدرك فيه ترامب أن أي اتفاق أقل تشدداً من الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما سيُقدَّم داخلياً على أنه تراجع سياسي أمام خصومه من الديمقراطيين، فضلاً عن صقور الحزب الجمهوري الذين يطالبون بحسم نهائي مع إيران لا بتسوية وسطية. وفي المقابل، يرى النظام الإيراني أن القبول بشروط أمريكية قاسية سيُفسَّر داخلياً وخارجياً باعتباره هزيمة استراتيجية تمس شرعيته وهيبته، وربما تفتح الباب أمام اهتزازات سياسية وأمنية تهدد استمراره ذاته، ولذلك يتمسك كل طرف بموقفه ليس فقط سعياً إلى تحقيق مكاسب تفاوضية، بل أيضاً حفاظاً على صورته أمام جمهوره وأنصاره.


وفي خضم هذا الاشتباك المشحون، تجد دول الخليج العربية نفسها من أكبر المتضررين، فمضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، أصبح رهينة التجاذبات السياسية والعسكرية، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على حركة صادرات النفط والغاز والتجارة العالمية وسلاسل التوريد وأسعار الشحن والتأمين. ومع كل يوم يمر دون انفراج تتزايد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة وعودة الضغوط التضخمية التي لم يتعافَ الاقتصاد العالمي منها بصورة كاملة بعد. واللافت أن ترامب يعلن بأنه "ليس على عجلة من أمره” وأن الوقت يعمل لصالحه، معوّلاً على الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية لإضعاف إيران وإرغامها على تقديم التنازلات، أما طهران فتعتمد استراتيجية الصمود الطويل واضعةً مصالح دول الخليج العربية والاقتصاد العالمي رهينة في معركتها مع واشنطن، ومستندة إلى قناعة تاريخية بأن الولايات المتحدة غالباً ما تفتقر إلى النفس الطويل في النزاعات الممتدة، وأن الضغوط الاقتصادية العالمية الناتجة عن استمرار الأزمة قد تدفع واشنطن وحلفاءها في نهاية المطاف إلى تخفيف شروطهم.


ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار هذا التعنت المتبادل يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: أولها التوصل إلى تسوية مؤقتة تحفظ ماء الوجه للطرفين بحيث تقدم إيران تنازلات محدودة مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات، وهو السيناريو الأقل كلفة على الجميع. أما السيناريو الثاني فهو استمرار حالة الاستنزاف المتبادل حيث لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل توترات متقطعة وأزمات متلاحقة تستنزف الاقتصاد العالمي وتبقي المنطقة على حافة الانفجار. أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في خطأ في الحسابات أو سوء تقدير من أحد الطرفين يؤدي إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة لتشمل المنطقة بأسرها، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية.


إن العالم اليوم يعيش فعلاً بين مطرقة ترامب وسندان طهران، فالطرفان يراهنان على قدرة الآخر على التراجع أولاً بينما تتزايد كلفة الانتظار على الجميع. وفي لعبة عضّ الأصابع هذه، قد لا يكون السؤال الحقيقي من سيقول "آه” أولاً، بل من سيدرك أولاً أن كلفة العناد باتت أعلى من كلفة التسوية، وأن السعي إلى انتصار كامل قد يكون وهماً استراتيجياً أكثر منه هدفاً قابلاً للتحقق، بينما يدفع العالم بأسره ثمن هذا الرهان، وتتآكل أصابع المتنافسين معاً.






مواضيع قد تهمك