محمد الاحمد : من المؤسف أن يتحول كل نقاش عام إلى ساحة مزايدات
من المؤسف أن يتحول كل نقاش عام في بلادنا إلى ساحة للمزايدات السياسية واستغلال المشاعر الدينية، وأن يسارع بعض الأشخاص والتيارات إلى تقديم أنفسهم بوصفهم الحراس الوحيدين للدين والأخلاق كلما ظهرت قضية مثيرة للجدل. وما حدث بعد الحفل الذي أُقيم في البترا قبل أيام مثال واضح على ذلك؛ فبدلاً من مناقشة الموضوع بعقلانية وموضوعية،
انطلقت حملات هجوم وتحريض ركزت على المهندس عدنان السواعير، رئيس سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، وكأنه صاحب القرار الوحيد والمسؤول الأول والأخير عما جرى. والحقيقة أن أي شخص يعرف طبيعة عمل المؤسسات العامة يدرك أن رئيس الإقليم مسؤول تنفيذي ينفذ السياسات والقرارات التي تتخذها الجهات السياسية المختصة، وليس من المنطق ولا من الإنصاف تحميله وحده مسؤولية قرار لا يملكه بالكامل. والأغرب من ذلك أن بعض الجهات التي تهاجم اليوم الحفل ليست بعيدة عن مراكز القرار، وبعضها جزء من المشهد السياسي والحكومي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بينما يفضل آخرون البحث عن معركة سهلة تمنحهم فرصة الظهور بمظهر المدافع عن الدين والقيم دون أن يواجهوا أصحاب القرار الحقيقيين أو يناقشوا جوهر القضية بصدق وشجاعة. إن من حق أي شخص أن يؤيد الحفل أو يعارضه، وأن يعبر عن رأيه بحرية، لكن ليس من حق أحد أن يحول الخلاف إلى حملة تخوين وتحريض أو أن يستخدم الدين وسيلة لتوجيه الغضب نحو أشخاص بعينهم وتحقيق مكاسب سياسية وشعبية على حساب الحقيقة. ومن باب الإنصاف.
سواء اتفقنا مع إقامة الحفل أم اختلفنا، لا بد من الاعتراف بأنه حقق فائدة اقتصادية وسياحية مهمة؛ فالبترا عانت خلال السنوات الماضية من تراجع أعداد بعض فئات السياح، وهو ما أثر على دخل كثير من الأسر والعاملين في القطاع السياحي. وقد ساهم هذا النوع من الفعاليات في جذب شريحة جديدة من الزوار والسياح الأجانب، الأمر الذي انعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية في المنطقة وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام.
كما أن الحقيقة تقتضي الاعتراف بأن الحفل نُظم بمستوى عالٍ من المهنية والانضباط، حيث جرى اختيار موقع بعيد عن التجمعات السكانية، واتخذت الإجراءات اللازمة لمنع أي تجاوزات خطيرة أو مخالفات قانونية، وهو ما يعكس جهداً واضحاً من الجهات المشرفة على التنظيم. وفي هذا الجانب تحديداً، لا بد من الإشارة إلى أن المهندس عدنان السواعير أدى دوره التنفيذي بكفاءة واقتدار، بصرف النظر عن اختلاف الآراء حول إقامة الحفل نفسه. أما محاولة تصوير الحزب المدني الذي ينتمي إليه على أنه يدعو إلى الانحلال أو يسعى إلى هدم قيم المجتمع، فهي صورة غير دقيقة ولا تعبر عن حقيقة المشروع المدني الذي يقوم أساساً على بناء دولة المؤسسات والقانون، الدولة التي تحمي حقوق جميع المواطنين وتكفل لهم حرية العيش وفق قناعاتهم واختياراتهم ما دام ذلك لا يعتدي على حقوق الآخرين ولا يسبب لهم الأذى أو الإزعاج. إن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي وصحي، لكن ما يحتاجه المجتمع هو نقاش صادق ومسؤول يقوم على الحقائق لا على التحريض، وعلى الإنصاف لا على المزايدات، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات والغضب، بل بالعقل والعدالة واحترام المؤسسات والقدرة على رؤية الأمور كما هي لا كما يريد البعض