محمد حسن التل : الاستقلال في السردية الأردنية
جدير بالذكر أن السردية الأردنية لم تبدأ بإعلان الاستقلال ، فهي ممتدة إلى آلاف السنين في عمق الزمن ، لكن الاستقلال مثل المفصل الأساسي في هذه السردية ، ولم يأت الاستقلال كنتيجة لتراجع الدور البريطاني في المنطقة ، فدول عديدة لم تنل استقلالها إلا في العقود المتأخرة من القرن الماضي ، حينها كانت بريطانيا قد تراجعت عن مكانتها كدولة عظمى لكنها ظلت تضع يدها على دول في المنطقة .
الأردنيون انتزعوا استقلالهم بمسيرة طويلة من النضال السياسي والتضحيات بمعية الملك المؤسس عبدالله الأول الذي وصفه المؤرخون للسياسة أنه كان يتمتع بحنكة سياسية قل نظيرها ، وسخر قدراته جلها لبناء الكيان السياسي الأردني ، وكانت معركته الأولى تخليص البلاد من إطار وعد بلفور الذي شكلت نتيجته أس المصائب في المنطقة ، ثم جاءت معركة التحرر الكامل ورفعت بريطانيا يدها عن الأردن وهنا بدأت معركة ربما كانت أصعب من المراحل التي سبقتها ، وكانت أولويتها حماية الأردن وصونه من تداعيات ضياع فلسطين وإقامة كيان صهيوني خبيث يحمل مشروعا لا يتوقف عند فلسطين بل يتجاوز إلى ما حولها ، وكان الأردن على خطوط المواجهة الأولى على المستوى السياسي والعسكري مما جعل عملية البناء تتباطأ ، وظلت مؤسسات الدولة تنمو ببطء نتيجة الظروف العاصفة في فلسطين وارتباك الوضع العربي ، لكن عبدالله الأول كان قد وضع قواعد متينة للدولة يبنى عليها في كل وقت وحين .
لا يمكن فهم السردية الأردنية دون الوقوف عند لحظة الاستقلال بوصفها الحدث الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي للأردنيين، فاستقلال الأردن في الخامس والعشرين من أيار عام 1946 لم يكن مجرد انتقال قانوني للسلطة أو نهاية لمرحلة الانتداب، بل كان لحظة ولادة سياسية وتاريخية أنتجت دولة ذات سيادة، ورسخت هوية وطنية واضحة المعالم
"برز المشروع الأردني كتجربة مميزة في بناء الدولة بمشاركة قيادة وشعب ولم يكن التحدي في الحفاظ على هذا الكيان السياسي الوليد أمرًا بديهيًا وسهلا، بل كان ثمرة إرادة سياسية واعية وقدرة استثنائية على تحويل التحديات إلى فرص ، والبدايات المتواضعة إلى مشروع دولة قابل للحياة والاستمرار..
من هنا اكتسبت لحظة الاستقلال أهميتها فهي ليست مجرد محطة في التاريخ الأردني، بل هي اللحظة التي انتقل فيها الأردنيون من فكرة الكيان إلى حقيقة الدولة، ومن السعي إلى الاعتراف إلى امتلاك السيادة، ومن مرحلة التأسيس الأول إلى مرحلة صناعة المستقبل" لقد منح الاستقلال الأردنيين شعورًا عميقًا بالانتماء إلى وطن مستقل، له مؤسساته وحدوده وقراره السياسي ورموزه الوطنية، وأصبح نقطة الارتكاز التي تشكلت حولها الهوية الوطنية ..
وفي العقل الأردني، لقد تجاوز الاستقلال فكرة الانتصار السياسي إلى بناء دولة مستقرة في قلب منطقة كما أشرت عُرفت بالاضطرابات والصراعات ، ولذلك فإن الحديث عن الاستقلال هو في جوهره حديث عن قصة ملحمة وطنية استطاعت تحدي محدودية الموارد وقسوة الظروف، وأن تقيم نموذجًا للدولة القائمة على مواجهة التحديات.
"وتنبع مركزية الاستقلال في السردية الوطنية " من كونها اللحظة التي تلاقت فيها ثلاثة عناصر أساسية شكلت هوية الدولة الأردنية.. القيادة الهاشمية، والإرادة الشعبية، وبناء المؤسسات.. فهذه العناصر لم تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تفاعلت في إطار مشروع وطني هدفه تأسيس دولة حديثة قادرة على حماية استقلالها وصيانة كرامة مواطنيها، ومن هنا أصبح الاستقلال رمزًا للوحدة الوطنية، ومناسبة تتجدد فيها معاني الشراكة بين القيادة والشعب في حماية الوطن وتعزيز مناعته".
لا يجوز أن ننظر إلى الاستقلال أنه نهاية وصاية فقط بل باعتباره بداية مسيرة متواصلة من الإنجاز الوطني، لا نهاية لمرحلة فحسب فمنذ ذلك التاريخ خاض الأردن معركة بناء المؤسسات التي تمثل قواعد لبناء الدولة ..
"ولعل ما يمنح الاستقلال حضوره العميق في الذاكرة الوطنية هو ارتباطه المباشر بمعنى الكرامة الوطنية" ، ولهذا بقي عيد الاستقلال في الأردن مناسبة تتجاوز الطابع الاحتفالي لتصبح فعلًا رمزيًا يعيد ويؤكد الثقة بالدولة، ويستحضر تضحيات المؤسسين، فقد وضع قواعد البيت عبدالله الأول ثم طلال وجاء الحسين لينتق بالأردن والأردنيون بظهره إلى عصر الدولة الحديثة حتى أصبح الأردن دولة تثير إعجاب العالم وانتباهه فكيف لدولة حتى المياه فيها تكاد معدومة ولا تملك موارد حقيقية أن تمثل هذا النموذج المشع حضارة وتميزا ، ثم جاء عصر عبدالله الثاني ليرسخ كل الإنجازات ويجددها ويبني عليها حتى زاد الإيمان وتعمق بالأردن على مستوى العالم كدولة لها حضورها على كافة الأصعدة.. لقد رسخ الملك عبدالله الثاني الإيمان بقدرة الأردنيين على على مواصلة مسيرة التحدي والبناء والإنجاز
وأثبت أن قوة الأردن لم تكن يومًا مرتبطة بإمكانات مادية، بل بقدرة الإنسان وإرادته الكبيرة نحو الإنجاز ... الاستقلال هو جذر السردية الأردنية لأنه مثل نقطة تحول كبرى في مسيرته كدولة تملك الشرعية الكاملة للقيادة والشعب اللذان شكل التحامهما قصة معجزة في هذا العصر....