العيد في العاصمة عمّان ايام زمان
محمود كريشان
ونحن في ثالث ايام عيد الأضحى المبارك، الذي حل علينا بالروحانية والايمان.. تتجمهر فرحة المؤمنين وصدى صوتهم يمتد ويصعد: لبيك اللهم.. لبيك.. لتشرق عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، وهي ترتدي مدرقة مطرزة بالجوري الشهري لتكون على عهدها جميلة الجميلات..
مدينة في الأربعينيات
ونمضي معكم الأعزاء قراء صحيفة "الدستور" وننبش ذاكرة العيد في عمان زمان، ومما ورد بهذا المجال في كتاب عبدالرحمن منيف "سيرة مدينة.. عمان في الأربعينيات"، والذي صدر عام 1994 وقد تمت ترجمته الى عدة لغات دول أجنبية: ان احتفالات الأعياد وهو من أهم الإحتفالات وأكبرها كان لا يقوم في أي مكان بهذه الفخامة خلال الأربعينات إلا في المدرج الروماني، والذي كان يطلق عليه ايضا تسمية شعبية هي "الميدان" حيث المسرحيات الصامتة ليفهمها الكل من طبول ومزامير ورقص وغناء ونداء الباعة وصراخ الأطفال والمراجيح والدواوين والمصورين وأصحاب العربات والمهرجين..
ويضيف منيف: وفي اليوم الأخير من أيام العيد عند وقت العصر، كانت عمان تحتشد كلها تقريبا في المدرج، مثلما كانت تجري الإحتفالات القديمة قبل ألفي سنة.. فكان رجال عمان المعاصرون هم فرسان اليوم الأخير للعيد غناء وعزفا ودبكة، وبذلك كان مخزون البراعة والقوة يتجلى بين العصر والمغرب، وكان الناس يودعون أياما لن يروا مثلها إلا بعد وقت طويل..
ساحة المسجد الكبير
وعلى صلة.. كانت الاعياد، الفطر والأضحى، من اجمل ايام السنة في حياة سكان عمان القديمة، كما يقول المؤرخ عبدالله رشيد، فقد جرت العادة عند معظم سكان المدينة ان تنهمك النسوة في تنظيف البيوت، ثم يعكفن على صناعة الحلويات، وابرزها كعك العيد وهو عبارة عن العجين المخلوط بالسمن البلقاوي والسكر والسمسم والكركم الاصفر، وترق هذه العجينة فوق الغربال ثم تخبز في الطابون، اما النسوة الشاميات والنابلسيات فيصنعن المعمول بالجوز والعجوة.
وأضاف المؤرخ عبدالله رشيد انه وفي صباح العيد كان الناس يتوجهون الى المساجد لاداء شعائر صلاة العيد، وكان المسجد الحسيني الكبير في وسط البلد يستقطب معظم الناس لحضور احتفال موسيقى للجيش العربي في الساحة الخارجية للمسجد، حيث كانت فرقة موسيقات الجيش العربي/ القوات المسلحة الأردنية والخيالة يطوفون شوارع وسط البلد.
مقابر المدينة
ويضيف رشيد ان الناس وبعد اداء صلاة العيد يتوجهون لزيارة المقابر، ومن هذه المقابر مقبرة وسط المدينة جسر الحمام ومقبرة رأس العين ومقبرة الهاشمي قرب مركز الاطفائية، ومقبرة المصدار، وهناك يتجولون بين قبور اقربائهم ومعارفهم ويقرأون الفاتحة ويشربون القهوة السادة ويأكلون الحلويات التي اعدتها النسوة وجئن بها الى المقابر مع طلوع الفجر، ويتجول الفقراء في المقابر لقبول الصدقات، كما يتجول الصبية لقراءة القرآن من سورة ياسين، فيحصلون على اكراميات من اقرباء الميت.
كعيكبان وملبس ..
من جانبه يقول الشيخ محمد الرشيد البدوي عن عادات أهل عمان في العيد زمان ان الناس يستقبلون في بيوتهم المهنئين ، بينما يغادر الرجال مصطحبين اطفالهم لزيارة الارحام والجيران والاقارب، فيتناولون كعك العيد والكعيكبان وملبس الحامض حلو والراحة، وحالما يحصل الاطفال على العيدية، من النقود يسارعون الى المراجيح او الركوب في باص المحطة، حيث كانت ساحة المدرج الروماني الموقع الرئيس للمراجيح الخشبية وبسطات الباعة التي تحمل اكلة العيد الرئيسة وهي الفول النابت، حيث يجلس الاطفال على مقاعد خشبية حول صحون الفول يأكلون منه ويشربون من شرابه..
دبكة وغناء..
اما الزجال الشعبي الحاج كايد الخطيب فيقول عن احتفالات المدرج الروماني: ان ايام الاعياد الدينية هي المناسبات التي تقام فيها الاحتفالات الشعبية على مسرح المدرج، فمع اطلالة اول يوم من ايام العيد يزحف اهالي المدينة من احياء القلعة والمهاجرين والجوفة ووادي سرور في مواكب من الاهازيج والدبكات متجهين نحو المدرج يصاحبهم سكان القرى المجاورة وهي ابوعلندا والقويسمة، وعند وصولهم الى ساحة المدرج الخارجية التي تنتشر فيها اراجيح الاطفال واطباق المأكولات الشعبية، يكون الناس أخذوا مكانهم على المدرج حتى انه كان يضيق بهم فيصعدون الى ربوته. ويضيف الخطيب انه وفي تلك الاحتفالات كان لكل حي من احياء المدينة شباب عرفوا بمهارتهم في ممارسة الدبكة والغناء ينتخبون فيما بينهم من يرقص هذه الدبكات وتؤلف كل جماعة حلقة وغالبا ما كانوا يرقصون الدبكة الشمالية شمال الاردن لانها مريحة، وكانت الدبكات تبدأ بأغاني الدلعونا الحماسية مثل: (يام السنون الذهب الملاح/ لا تغضي النظر عن اللواح/ اوعي تفتكري محسوبك صاح/ اسباب جنوني من هالعيونا!/ يلي بتطلوا لا تجننونا/ واشوية شوية لا تكهربونا/ وربك بطعم اللحمة يا خونا/ اللي بثمه ما فيش سنونا).
ولنا كلمة..
مجمل الفرح.. كل عام وانتم بألف خير.. وان يبقى السرور يتدفق في الأرجاء الأردنية الآمنة المستقرة بإذن الله.. لنمضي دوما بعزم وعزيمة تحت ظل راية جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.. وكل عام وانتم بخير.. ــ الدستور