د. دانيلا عدنان القرعان : خطاب الاستقلال الثمانين، رؤية تُحصّن الحاضر وتصنع المستقبل..
في الذكرى الثمانين لإستقلال الأردن، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليؤكد أن الاستقلال بالنسبة للأردنيين ليس مجرد محطة تاريخية، بل مشروع وطني متجدد يقوم على ترسيخ الدولة، وحماية الهوية وتعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً، وقد حمل الخطاب الملكي مضامين سياسية ووطنية وإنسانية عميقة، عكست رؤية واضحة لمستقبل الدولة الأردنية في ظل التحديات الإقليمية والتحولات الدولية المتسارعة.
ركز الخطاب على أن الأردن، رغم محدودية الموارد وتعقيدات الجغرافيا السياسية، استطاع خلال ثمانية عقود أن يبني نموذجاً مستقراً يقوم على الاعتدال وسيادة القانون والاعتماد على الإنسان الأردني باعتباره الثروة الحقيقية للوطن، وقد بدا واضحاً أن جلالة الملك أراد إعادة التذكير بأن منجزات الدولة لم تكن وليدة الصدفة، وإنما نتاج تضحيات متراكمة قدمها الأردنيون عبر عقود طويلة، بقيادة هاشمية حافظت على ثوابت الدولة ورسالتها القومية والإنسانية.
ومن أبرز مضامين الخطاب التأكيد على وحدة الصف الوطني والتماسك الداخلي، إذ شدد الملك على أن قوة الأردن تكمن في وعي شعبه والتفافه حول قيادته وجيشه وأجهزته الأمنية، كما حمل الخطاب رسائل تقدير واضحة للقوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية التي شكلت، وما تزال، صمام أمان الوطن وحصنه المنيع في مواجهة مختلف التحديات. ظتت .
الدستور
اقتصادياً وتنموياً، أشار الخطاب إلى أهمية مواصلة مسيرة التحديث الشامل، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإداري، باعتبارها الطريق الضروري لبناء دولة أكثر قدرة على مواجهة المستقبل، ولم يكتفِ الخطاب بعرض الإنجازات، بل حمل أيضاً دعوة عملية لتعزيز الإنتاجية وتمكين الشباب وتطوير التعليم وخلق بيئة استثمارية قادرة على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.
أما على الصعيد القومي، فقد احتلت القضية الفلسطينية مساحة مركزية في الخطاب، حيث جدد الملك موقف الأردن الثابت تجاه حقوق الشعب الفلسطيني ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم، كما أعاد التأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها مسؤولية تاريخية ودينية وسياسية لا يمكن التنازل عنها، ويعكس هذا الموقف استمرار الدور الأردني المحوري في الدفاع عن القدس وحماية هويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
كذلك حمل الخطاب بعداً إنسانياً واضحاً من خلال التركيز على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان، وهي القيم التي سعى الأردن إلى ترسيخها عربياً ودولياً عبر مبادرات عديدة، ما جعل المملكة تحظى بصورة الدولة المعتدلة القادرة على بناء الجسور والحوار في منطقة تعج بالصراعات والانقسامات.
يمكن القول إن خطاب الاستقلال الثمانين لم يكن خطاب احتفال تقليدي بذكرى وطنية، بل خطاب دولة يعيد صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل فقد استحضر تاريخ الآباء المؤسسين وتضحيات الأردنيين، وفي الوقت ذاته وضع ملامح المرحلة المقبلة القائمة على التحديث والثقة بالنفس وتعزيز مكانة الأردن كدولة مستقرة تمتلك رسالة واضحة ورؤية متوازنة.
إن أهم ما يمكن استخلاصه من الخطاب الملكي هو أن الأردن بقيادته وشعبه لا ينظر إلى الاستقلال كذكرى تُستعاد بل كمسؤولية متجددة تستوجب العمل والإنجاز وحماية الوطن وصون مناعته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولذلك جاء خطاب الملك عبدالله الثاني ليؤكد أن الدولة الأردنية تدخل عقدها التاسع بثقة وثبات، مستندة إلى إرث هاشمي عريق وإلى شعب أثبت عبر التاريخ قدرته على تجاوز التحديات وصناعة الأمل.