اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. مروان الفاعوري : الدوحة إذ تتسامى فوق الجراح

م. مروان الفاعوري : الدوحة إذ تتسامى فوق الجراح
أخبارنا :  

بقلم المهندس مروان الفاعوري الامين العام للمنتدى العالمي للوسطيه
في عالمٍ تمزّقه الاستقطابات الحادّة، وتغلب على كثيرٍ من العلاقات الدولية لغة الثأر والانفعال، تبرز دولة قطر بوصفها نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات، قائمًا على الحكمة السياسية، وهدوء الأعصاب، والقدرة على الفصل بين الجراح والمصالح العليا للأمة والمنطقة. ومن هنا جاءت الزيارة الرفيعة المستوى التي قام بها وفد قطري إلى إيران ولقاؤه كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم وزير الخارجية الإيراني، لتؤكد مرةً أخرى أن الدوحة لا تتحرك بردود الفعل، بل بعقل الدولة التي تدرك أن الحوار ـ مهما تعقّدت الظروف ـ يبقى الطريق الأقصر نحو منع الانفجار الكبير.

لقد أثبتت قطر خلال العقود الماضية أنها ليست مجرد وسيط عابر في ملفات النزاعات، بل أصبحت مدرسة دبلوماسية قائمة بذاتها، تمتلك خبرة متراكمة في إدارة التفاوض بين الخصوم، وفتح القنوات حين تُغلق، وبناء الجسور حين تتهاوى. فمن أفغانستان إلى السودان وتشاد، وصولًا إلى ملف غزة المعقّد وملف الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس، استطاعت الدوحة أن تحجز لنفسها موقعًا متقدمًا في أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا على مستوى العالم.

وما يميّز السياسة القطرية أنها لا تتعامل مع الوساطة بوصفها استعراضًا سياسيًا أو بحثًا عن نفوذٍ إعلامي، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية وإنسانية واستراتيجية في آنٍ واحد. فالدبلوماسية القطرية تدرك أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الحرائق، وأن أي انفجار واسع لن يوفّر أحدًا، ولذلك تصرّ على أن تبقى على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، بما يمنحها القدرة على مخاطبة الجميع، والاستماع إلى الجميع، والعمل مع الجميع.

إن الذكاء الحقيقي في السياسة لا يكمن في رفع سقف الخصومات، بل في القدرة على منع الخصومة من التحول إلى كارثة شاملة. ومن هنا تبدو الدوحة اليوم وكأنها تتسامى فوق الجراح، وتقدّم منطق الدولة العاقلة على منطق الانفعال، وتضع استقرار المنطقة فوق حسابات المكاسب الضيقة. فالدول الكبرى ليست تلك التي تُتقن إدارة الصراع فقط، بل التي تمتلك الشجاعة لفتح أبواب التهدئة في اللحظات التي يظن فيها الجميع أن الحرب أصبحت قدرًا محتومًا.

ولعلّ ما يمنح التحرك القطري أهمية إضافية أنه يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع ملفات غزة، والتوتر الإقليمي، والمفاوضات الدولية، واحتمالات التصعيد الواسع. وفي مثل هذه اللحظات تصبح الحاجة إلى الوسطاء العقلاء حاجةً وجودية، لا ترفًا سياسيًا. وقطر، بما تمتلكه من شبكة علاقات واسعة وثقة متبادلة مع أطراف متناقضة، تبدو اليوم أكثر قدرة على لعب هذا الدور من كثير من القوى الإقليمية والدولية.

لقد نجحت الدوحة في بناء صورة الدولة التي تستطيع الحديث مع الجميع دون أن تفقد احترام أي طرف، وهذه معادلة نادرة في عالم السياسة. وهي بذلك تؤكد أن الحضور الحقيقي لا يُقاس بحجم الجغرافيا، بل بحجم التأثير، ولا بعدد السكان، بل بقدرة الدولة على صناعة الفارق في اللحظات الحرجة.

إن المنطقة العربية والإسلامية بحاجة ماسّة إلى هذا النوع من الدبلوماسية الهادئة، التي تبحث عن مخارج للحروب بدل الاستثمار فيها، وتعمل على جمع المتخاصمين بدل تعميق الانقسامات. ومن هنا فإن الجهد القطري يستحق التقدير، ليس لأنه يتحرك في ملفٍ واحد، بل لأنه يرسّخ ثقافة سياسية مختلفة، عنوانها أن الحوار يمكن أن ينتصر، وأن العقلانية ما تزال قادرة على حماية الشعوب من الانهيار الشامل.

مواضيع قد تهمك