د محمد كامل القرعان يكتب: الاستقلال الأردني: إرث الهاشميين، أمانة المسؤولين، وعقيدة الأردنيين
لم يكن السادس والعشرون من أيار يوماً عابراً في رزنامة المجد الأردني، بل هو محطة صياغة الهوية الصامدة، والعنوان العريض لسيادة وطنية شُيدت بالدم والعرق والحكمة التاريخية. وفي هذا العام، وبينما يرفل الأردن في أثواب الاستقلال وعيد الاستقلال الثمانين، يتجدد العهد وتتجلى الأمانة في أبهى صورها؛ لتقول للعالم أجمع إن هذا الوطن صُنع ليبقى عزيزاً، شامخاً، وعصياً على كل العواصف والمحن.
إن تاريخ الاستقلال في الأردن هو قصة تلاحم فريدة وبنيان راسخ يجمع بين قيادة هاشمية ملهمة وشعب وفيّ، وهي المسيرة التي انطلقت منذ فجر الثورة العربية الكبرى، وتكرست مع تأسيس الإمارة بقيادة الملك المؤسس عبدالله الأول الذي خاض غمار معركة سياسية ودبلوماسية شرسة لانتزاع وثيقة الاستقلال الكامل في عام 1946. وتوالت الإنجازات الهاشمية لتشهد محطات مفصلية؛ فكان تعريب قيادة الجيش العربي المصطفوي في عهد الملك الباني الحسين بن طلال خطوة سيادية وضعت القوة العسكرية والأمنية في أيدٍ أردنية خالصة، وصولاً إلى عهد الملك المعزز عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي يقود اليوم الاستقلال المتجدد عبر مشروع التحديث الشامل بأبعاده السياسية والاقتصادية والإدارية، حاملاً أمانة الدفاع عن قضايا الأمة وعلى رأسها الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، مؤكداً للعالم أن استقلال الأردن وقوته هما السند الأول لدعم صمود الأشقاء في فلسطين وحماية حقوقهم المشروعة.
وفي القرن الحادي والعشرين، لم يعد الحفاظ على الاستقلال مجرد تغنٍ بأمجاد الماضي، بل أصبح يقاس بمقدار هندسة الحاضر وبناء المستقبل، وهنا تبرز الأمانة الكبرى الملقاة على عاتق المسؤولين ورجال الدولة في مختلف المواقع. إن المسؤول الحقيقي هو من يترجم الرؤى الملكية السامية إلى خطط تنموية ملموسة، ويعمل على تصفير البيروقراطية وتعزيز الحاكمية الرشيدة وإرساء قواعد النزاهة والموضوعية في الوظيفة العامة. وتفرض أمانة المسؤولية على رجل الدولة أن يلتزم بالقول السديد والإنجاز الحقيقي، وأن يكون حصناً لمؤسسات الدولة في منصبه وخارجه، مبتعداً عن الانتهازية السياسية أو النقد السوداوي الذي يستهدف إضعاف الجبهة الداخلية عند مغادرة الكرسي، بل يسعى دوماً لتحقيق العدالة التنموية بين العاصمة والمحافظات وتمكين الشباب وتطوير المنشآت ليكون الاقتصاد القوي هو الدرع الحامي للقرار الوطني المستقل.
أما الضامن الحقيقي والعمود الفقري الذي يستند إليه هذا الاستقلال فهو الإنسان الأردني الواعي؛ فالأردنيون، بوعيهم الوطني المتقدم والتفافهم المخلص حول رايتهم الهاشمية وقواتهم المسلحة الباسلة (الجيش العربي) وأجهزتهم الأمنية، يمثلون الجبهة الداخلية الحصينة التي تحطمت عليها كل المؤامرات. ويحافظ الأردنيون على استقلالهم اليوم من خلال الانخراط الفاعل والمسؤول في مسارات التحديث السياسي والعمل الحزبي البرامجي، والوقوف بوعي وثبات في وجه الشائعات وحروب المعلومات، متسلحين بقيم الوفاء والكرامة والشجاعة والتسامح التي ورثوها عن الرعيل الأول الذين أمّدوا هذا الوطن بالحنان والمحبة والسكينة وعلمونا مكارم الأخلاق والذود عن حمى الوطن.
إن استقلال الأردن ليس حدثاً تاريخياً موثقاً في طيات الورق، بل هو كينونة مستمرة، وعقيدة يومية يعيشها كل أردني وأردنية؛ إنه إرث هاشمي عظيم، وأمانة معلقة في أعناق المسؤولين لتطويره وحمايته، ومسؤولية شعب وفيّ يحمل وطنه في قلبه وعقله، وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الأبي، منارة للحق، واحة للأمن، ووطناً حراً سيداً عصياً على الانكسار.