الأخبار

د. امل محي الدين الكردي : ​لبيك اللهم لبيك حول البيت الحرام: عراقة الرعاية الهاشمية وثورة الإعمار لآل سعود بين الماضي والحاضر

د. امل محي الدين الكردي : ​لبيك اللهم لبيك حول البيت الحرام: عراقة الرعاية الهاشمية وثورة الإعمار لآل سعود بين الماضي والحاضر
أخبارنا :  

​بقلم: أمل محي الدين الكردي
​تتجه قلوب المسلمين وأرواحهم في هذه الأيام المباركة، ونحن على أعتاب عيد الأضحى المبارك، صوب مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ حيث تتعانق تلبية الحجيج مع جلال المكان وروحانيته الممتدة عبر العصور. وفي هذه الأجواء الإيمانية الفائقة، يستوقف الباحثَ والموثقَ نصٌّ تاريخي فريد كتبه أحد الرحالة والأدباء العرب في ثلاثينيات القرن العشرين وهو يطوف "حول البيت الحرام"، ليعقد مقارنة تاريخية وأركيولوجية لا تبخس الماضي حقه، وتُنصف الحاضر المشرق الذي نعيشه اليوم، رابطاً حتمية الجغرافيا بقدسية العقيدة.
​لقد رصد ذلك الرحالة في ثلاثينيات القرن الماضي مكة المكرمة بعين طافت بالماضي والحاضر؛ فوصفها بأنها "موطن آمن طوقته الجبال العالية وسورته الطبيعة بأسوار منيعة، ووقته بحصون وقلاع هي قمم الجبال"، متأملاً كيف تحول هذا الوادي المنخفض الذي كان "مجمعاً للسيول" بتحدياته البيئية القاسية إلى ملاذ أفئدة البشر. ولعل الأطروحة الأجمل التي ساقها الكاتب في وثيقته، هي التفاتته إلى أخلاقيات البناء داخل الحرم المكي الشريف، والتي أسماها ظاهرة فريدة تختلف عن عمارة الملوك في الحواضر الأخرى؛ فبينما كان الحكام تاريخياً يميلون إلى طمس آثار من سلفهم ونسب المجد لذواتهم، أسس فضاء مكة المكرمة لـ*"فلسفة التراكم المعماري المتصالح"*، حيث اللاحق لا يهدم عمل السابق بل يرممه ويحافظ على اسمه إجلالاً للمقدس. فالخليفة المهدي العباسي ترك نقوشه الكوفية عام 167 هـ، والسلطان الغوري المملوكي أصلح حجر إسماعيل وكتب أسماء من سبقه من الملوك قبل اسمه تواضعاً، وعاين الكاتب بنفسه داخل الكعبة "سبعة ألواح من الرخام تذكر كل من كان له الشرف في تعميرها من عام 629 هـ إلى 1109 هـ" دون أن تمسها عوارض السياسة والدنيا.
​هذه الروحانية الممتدة وعراقة السيرة لا تنفصل في عالمنا المعاصر عن الرعاية المتوارثة التي توليها القيادات العربية لخدمة ضيوف الرحمن، وربط مشاعر الحج بقيم الوفاء الوطني والمسؤولية القومية تجاه الأوطان. وتتجلى هذه العناية الأصيلة في المواقف الأبوية لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، والذي حرص — تزامناً مع توجه قوافل الحجيج — على التقاء ووداع بعثة الحج الأردنية المتوجهة إلى الديار المقدسة. وقد جاءت هذه البعثة لتلخص رسالة بني هاشم الإنسانية والوطنية تجاه أبناء وطنهم وأمتهم، إذ ضمت أسر الشهداء والمصابين العسكريين من قوافل شهداء القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية، في لفتة ملكية سامية تؤكد أن دماء الشهداء وتضحيات المصابين ستبقى حية في وجدان الدولة الأردنية، وأن إيفاد عائلاتهم لأداء مناسك الحج هو أسمى صور الشرف والوفاء المتجدد من القيادة الهاشمية لتضحيات أبنائهم الأبرار، لتتكامل هذه الجهود الرسمية مع التسهيلات والدعم الذي تنسقه سفارات المملكة العربية السعودية لضمان انسيابية رحلتهم الإيمانية.
​وإذا كان كاتب الثلاثينيات قد وقف قديماً متأملاً فناءً محدوداً تضاء جوانبه بـ"قناديل زيتية" بسيطة لعشاوات وفجور الحرم، ويصل إليه الحجاج على ظهور الجمال التي وصفها بسفينة الصحراء؛ فإن الإنصاف الفكري والسياسي يقتضي منا اليوم الإشادة بالملحمة المعمارية واللوجستية غير المسبوقة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في العهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين، ومهندس الرؤية العصرية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. لقد تحول الحرم المكي الشريف اليوم إلى ذروة الهندسة العالمية وإدارة الحشود الرقمية عبر منظومات الذكاء الاصطناعي، وجرى ترويض طبيعة الوادي الجغرافية وتحدي السيول القديم بالكامل عبر شبكات هيدروليكية عملاقة تحت الأرض، وفُرشت الساحات الرخامية الممتدة بكيلومترات بنوع نادراً من رخام "التاسوس" الذكي المبرد الذي يطرد حرارة الشمس الحارقة تحت أقدام الطائفين.
​ولم تعد الهيمنة البصرية للجبال المحيطة بمكة هي السور والحدود؛ بل حلت محلها مبانٍ هائلة، وأروقة متعددة الطوابق، وجسور معلقة للطواف والسعي تستوعب ملايين البشر في آن واحد وبأعلى درجات الرفاهية والأمان. وبدلاً من قوافل الماضي، ينعم حجاج اليوم بمنظومة نقل ترددي فائق السرعة عبر "قطار الحرمين الشريفين" ومطارات مجهزة بأحدث التقنيات الرقمية لإنهاء الإجراءات، لتقدم المملكة لآل سعود نموذجاً استثنائياً في تطويع التكنولوجيا المعاصرة لخدمة الروحانية الدينية، مجسدةً المفهوم الأسمى لـ*"عمارة القلوب وعمارة البنيان"* وتكامل الجهود؛ فلم يعد الحاج والمعتمر يشغل باله بتحديات الطقس أو وعورة المسالك، بل تحولت الساحات المحيطة بالبيت الحرام إلى منظومة بيئية متكاملة ومبردة تتيح الخشوع التام.
​إن المشهد اليوم يمثل ثورة لوجستية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالجهود المباركة التي تبذلها أجهزة الدولة في المملكة العربية السعودية، بالتكامل والتنسيق الدائم مع السفارات والبعثات الرسمية كـ البعثة الأردنية، تضمن أن يخطو الحاج خطوته الأولى وهو محاط برعاية تنظيمية فائقة. فمن "مبادرة طريق مكة" التي تنهي إجراءات دخول الحجاج من مطارات بلدانهم، إلى التفويج الذكي، وصولاً إلى بوابات الحرم وأروقته الممتدة؛ يتحرك ملايين الحجاج في وقت واحد بانسجام تام يشبه حركة الفلك. هذه الإدارة اللوجستية الفريدة، التي يشرف عليها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم تسهل المناسك فحسب، بل حمت الأرواح ووفرت بيئة تنظيمية تجعل الحاج يتفرغ تماماً للعبادة والدعاء والتلبية، مستشعراً جلال الموقف وعظمة المكان، ومكملاً بامتياز مسيرة الألواح الرخامية السبعة والنقوش التاريخية التي حفظها لنا التاريخ وعاينها كاتب المقال قديماً.
​وفي الختام، فإن قراءة هذا المقال التاريخي الذي خطه ذلك الباحث قبل نحو قرن من الزمان، ومقارنته بما نكتحل به اليوم من مرأى الحرم الشريف، تؤكد لنا أن الحاضر لم يطمس الماضي بل رفعه مكاناً علياً، لتكون مسيرة ممتدة من التعظيم والخدمة تواصلت عبر العصور بإصلاحات الخلفاء والسلاطين، وتجلت في أبهى صورها اليوم بتوسعات هندسية وإدارية عصرية لا مثيل لها في التاريخ. فبين وداع القيادة الهاشمية لبعثاتها الأردنية الحاملة لأسر الشهداء الأبرار بفيض الأبوة والوفاء للأوطان، وبين النهضة الإعمارية والخدمية العملاقة التي تقودها المملكة العربية السعودية بكل اقتدار وتفانٍ، يبقى البيت الحرام واحة أمان عالمية، ومجمع أفئدة البشر، تتوارث الأجيال شرف خدمته، وتتناقل الأقلام والوثائق قصة إعماره، ليبقى دائماً كما أراده الله: مَثابةً للناس وأَمْناً.

مواضيع قد تهمك