الأخبار

كيف أعاد تصريح المومني فتح أسئلة الإعلام الأردني؟

كيف أعاد تصريح المومني فتح أسئلة الإعلام الأردني؟
أخبارنا :  

بقلم: مصطفى الريالات

في زمنٍ باتت فيه المعلومة تتحرك أسرع من قدرتنا على التحقق منها، لم يعد الجدل الإعلامي يُصنع داخل غرف الأخبار وحدها، بل على منصات مفتوحة، تكفي فيها جملة مقتطعة أو مقطع قصير لإشعال سجال كامل، يتجاوز أحيانا ما قيل فعلا إلى ما فُهم منه، أو ما أُريد له أن يُفهم.

هذا تماما ما حدث عقب مداخلة وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني خلال منتدى منتدى تواصل 2026، الذي انعقد في مركز الملك الحسين بن طلال للمؤتمرات في البحر الميت، تحت رعاية الحسين بن عبدالله الثاني.

ففي جلسة حملت عنوان: "إعلام يواكب اللحظة: كيف نصمم الرسالة في عالم يضج بالمحتوى"؟، تحدث المومني عن لجوء الحكومة أحيانًا إلى الاستعانة بناشطي مواقع التواصل الاجتماعي في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، عبر تزويدهم بالمعلومات الدقيقة للوصول إلى جماهيرهم بسرعة وفاعلية.

لكن ما قيل بوصفه توصيفا لواقع الاتصال الحديث، قُرئ لدى البعض باعتباره إعلانا غير مباشر عن تراجع مكانة الإعلام التقليدي، أو إقرارا حكوميا بأن "المؤثر" بات أكثر فاعلية من الصحفي والمؤسسة الإعلامية.

ولم يكن الجدل كله بلا أسباب.

فالإعلام التقليدي في الأردن، كما في العالم، يعيش فعلا حالة قلق عميقة أمام الصعود الكاسح لمنصات التواصل وصناع المحتوى، الذين بات بعضهم يمتلك تأثيرا وانتشارا يفوق مؤسسات إعلامية عريقة، دون أن يخضع بالضرورة لذات المعايير المهنية أو التحريرية.

لهذا، بدا تصريح الوزير بالنسبة للبعض وكأنه يمس منطقة حساسة أصلا، تتعلق بمستقبل "السلطة الرابعة" وحدود دورها في عصر الخوارزميات.

غير أن قراءة المداخلة كاملة تكشف أن المومني لم يكن يتحدث عن "إحلال" المؤثرين محل الإعلام، بقدر ما كان يصف تحولا عالميا في أدوات الاتصال السياسي والإعلامي. فالحكومات اليوم، في مختلف أنحاء العالم، لم تعد تعتمد على قناة واحدة للوصول إلى الجمهور، بل على منظومات متعددة، تشمل الإعلام التقليدي، والمنصات الرقمية، والتواصل المباشر، وحتى المؤثرين أحيانا.

وقد بدا واضحا أن الوزير أدرك مبكرا حساسية ما أثير، فسارع إلى توضيح موقفه عبر منصة "إكس"، مؤكدا أن الانفتاح على أدوات الاتصال الحديثة لا يأتي على حساب الإعلام المهني، ولا يلغي دور الصحافة بوصفها سلطة رقابية ووطنية ضرورية.

في الحقيقة، ربما تكمن أهمية هذا السجال في أنه أعاد طرح سؤال أعمق من مجرد تصريح أو تغريدة: كيف يمكن للدولة أن تبني نموذج اتصال حديثا، سريعا وفعالا، دون أن يتحول ذلك إلى تهميش تدريجي للإعلام المهني؟

فالمسألة لم تعد صراعا بين "صحفي" و"مؤثر"، بقدر ما أصبحت نقاشًا حول طبيعة المجال العام نفسه: من يصنع الوعي؟ ومن يملك القدرة على تشكيل الرواية؟ وهل يكفي الانتشار وحده لصناعة التأثير المسؤول؟

ما يحتاجه الأردن اليوم ليس معركة جديدة بين الإعلام التقليدي والفضاء الرقمي، بل رؤية توازن بينهما؛ رؤية تدرك أن المستقبل لا يمكن أن يُدار بعقلية الإقصاء، كما لا يمكن أيضًا أن يُترك بالكامل لمنطق "التريند" والخوارزميات.

فالصحافة المهنية، رغم كل أزماتها، تبقى ذاكرة الدولة وخبرتها التراكمية، فيما تمثل المنصات الرقمية واقعا لا يمكن تجاهله أو التعامل معه بعقلية الإنكار.

أما الجدل الذي أعقب تصريحات المومني، فربما كان سيكون أكثر نفعا لو تحول من معركة عناوين سريعة إلى نقاش مؤسسي هادئ حول مستقبل الإعلام الأردني، وحدود العلاقة بين الدولة والمنصات الجديدة، وكيف يمكن حماية المهنة دون الانفصال عن العصر ، بدلاً من أن يستهلك في معركة عناوين عابرة على المنصات.

وحدها هذه النقاشات الجادة، حين تُدار بهدوء العارف لا بضجيج المنفعل، تنتج إعلاماً قادراً على أن يكون فعلاً... سلطةً رابعة.

في النهاية، لا تُقاس قوة الإعلام بعدد المتابعين فقط، بل بقدرته على إنتاج معنى، وحماية الحقيقة من الضجيج… أيًا كانت المنصة التي يُنشر عبرها.

مواضيع قد تهمك