الأمير الحسن: العلم استثمار في بناء الإنسان وتلبية حاجات المجتمع
رعى سمو الأمير الحسن بن طلال، رئيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، اليوم الخميس، حفل تكريم الفائزين بجائزة الحسن بن طلال للتميّز العلمي للعام 2026، والتي خُصصت هذا العام لمؤسسات التعليم العام، وذلك بحضور سمو الأميرة ثروت الحسن، رئيسة لجنة الجائزة وسمو الأميرة سمية بنت الحسن.
وأكد سموه، في كلمة له خلال الحفل الذي أقيم في مبنى المجلس، أن العلم هو حياة القلوب، ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، مستشهداً بقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "يتفاضل الناس بالعلوم والعقول، لا بالأموال والأصول".
وقال سموه، إن الاحتفاء اليوم ليس لمجرد تكريم فائزين بجوائز، بل هو احتفاء بالعقول التي جعلت من العلم رحلة شغف وعطاء مستمر، مشيداً بالمشاريع الفائزة كنماذج ملهمة أعادت تعريف دور المدرسة في عصر المعرفة، وحولت التعلم إلى تجربة حية تدمج الابتكار الرقمي بالتطبيق العملي لبناء الإنسان قبل إنتاج المعرفة.
وأشار سموه إلى أن المشاريع الفائزة، مثل منصتي ذروة العلم والمختبر الافتراضي الأردني، ومبادرات مظلة الأمان الرقمي والحلول القائمة على الطبيعة، تعكس صورة مشرقة للابتكار وتكامل التكنولوجيا مع الإبداع لمواجهة تحديات الواقع، معتبراً إياها استثماراً حقيقياً في بناء جيل واعٍ وقادر على قيادة المستقبل.
ودعا سموه إلى تبني مفاهيم الكلية والشمولية وتداخل التخصصات، لافتاً إلى ضرورة الربط بين الصحة والتعليم ومنظومة (WEFE) التي تشمل المياه والطاقة والأمن الغذائي والمحيط، مؤكداً أن الفقر لم يعد مجرد تدنٍ في الدخل، بل هو حرمان متعدد الأبعاد يتطلب بيانات مستقلة وقاعدة معرفية لاتخاذ قرارات عادلة.
وشدد سموه على أهمية فهرس الحرمان المتعدد كعدسة أخلاقية واستراتيجية تعيد ترتيب الأولويات وفق الواقع المعيشي، خاصة في المناطق المهمشة، موضحاً أن الاكتفاء بقياس الدخل يُخفي مظاهر الهشاشة، ومؤكداً أن جودة التعليم والرعاية الصحية يجب أن تنطلق من مبدأ الشمولية للجميع.
وفي سياق التحول الرقمي، أكد سموه أن تكنولوجيا المعرفة والذكاء الاصطناعي تتطلب بيئة حاضنة وسلوكاً بشرياً قابلاً للتكيف، داعياً إلى تسخير هذه الأدوات لتعزيز التنمية وتجسير الفجوة بين جيل الابتكار الرقمي وجيل البيروقراطية التقليدية، وصولاً إلى حاكمية إلكترونية فاعلة.
وتساءل سموه عن معنى الأمن في عالم يمول الحروب ويعجز عن تمويل الكرامة، محذراً من تحول التكنولوجيا إلى أداة تفتيت إذا لم تخضع لمعيار الإنسان، ومؤكداً أن الكرامة الإنسانية يجب أن تظل المعيار الأساسي في ظل التوسع في الحروب الذكية والاستهداف الرقمي.
ولفت سموه إلى أن مستقبلنا يعتمد على الاتفاق على الأساس الأخلاقي للهدف المنشود، واضعاً تلبية حاجات الفقراء والمهمشين في أعلى قائمة الأولويات، داعياً إلى مواجهة تحديات الإنسان ضد أخيه الإنسان وعوامل الطبيعة من خلال فهم المشهد المكاني وعلم الخرائط وتداخل النظم الجيولوجية والجغرافية.
ودعا سموه إلى أنسنة الأرقام، مؤكداً أن الأرقام الضخمة للضحايا والجرحى والخسائر تفقد تأثيرها إذا لم ندرك أن كل رقم هو إنسان له اسم وقصة، معتبراً أن هذه الأنسنة هي شرط أخلاقي وسياسي لاتخاذ القرار الرشيد.
وأكد سموه، أن هذه الجوائز هي ميثاق مع المتميزين لمواصلة العطاء، مشدداً على أن التميز العلمي ليس غاية بذاته، بل وسيلة لتحسين جودة الحياة وتقديم الحلول النافعة، وأن المتميز هو من يمتلك شجاعة التساؤل ونقد السائد للوصول إلى الحقيقة.
وكرم سمو الأمير الحسن الفائزين بالجائزة التي وزعت على ثلاث فئات، حيث نالت الجائزة الأولى وقيمتها (10,000) عشرة آلاف دينار، مدرسة عنبة الثانوية الشاملة للبنين من محافظة إربد عن مشروعها ذروة العلم.
وفازت بالجائزة الثانية وقيمتها (7,000) سبعة آلاف دينار، مدرسة حي الضباط الثانوية المختلطة من محافظة المفرق عن مشروعها مظلة الأمان الرقمي.
أما الجائزة الثالثة وقيمتها (5,000) خمسة آلاف دينار، فقد مُنحت مناصفة بين كل من مدرسة رحبة ركاد الثانوية للبنين من محافظة المفرق عن مشروعها المختبر الافتراضي الأردني، ومدارس الجزيرة من العاصمة عمان عن مشروعها الحلول القائمة على الطبيعة.. جسر بين المدرسة والمجتمع لمواجهة التحديات البيئية.
وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، الدكتور مشهور الرفاعي، أن التميز والتفكير الخلاق والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للإبداع، هو نهج متاح للجميع متى ما توفرت الرؤية والدعم، وهو ما ينسجم مع توجهات المجلس في ترسيخ العدالة وبناء مجتمع معرفي شامل.
وعبّر الرفاعي في كلمته عن بالغ الامتنان لتشريف سمو الأمير للحفل، مؤكداً أن استمرار الجائزة في عطائها ورفعة مكانتها جاء بفضل الرعاية الحانية لسموه، والمتابعة الحثيثة من سمو الأميرة ثروت الحسن واهتمامها بكافة تفاصيل الجائزة منذ انطلاقتها، تكريماً لمكانة سموه في خدمة العلم والعلماء.
وبين الرفاعي، أن أربع مدارس متميزة نالت الجائزة لهذا العام، لافتاً إلى أن الملاحظة الأبرز تمثلت في فوز مشاريع لمدارس حكومية في مناطق نائية، مما يعكس شمولية التميز وقدرة المؤسسات التعليمية في مختلف المحافظات على الإنجاز والابتكار.
وكشف عن قيام الأمانة العامة للمجلس، وتنفيذاً لتوجيهات سمو الأميرة ثروت الحسن، بتشكيل لجنة من المختصين لتطوير الجائزة وتعظيم أثرها، حيث عملت اللجنة على دراسة أسس ومعايير الجائزة وآليات التقدم لها، بما يضمن تحفيز الابتكار العلمي وتقييم مدى قابلية المشاريع الفائزة للاستمرار حال توفر التمويل التكاملي.
---(بترا)