مختصون: القمة الأردنية «القبرصية» اليونانية تعزز البعد الجيو-اقتصادي بالمنطقة
سيف الجنيني :
قمة عمّان تفتح آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار بين الأردن وأوروبا
أكد خبراء اقتصاديون أن انعقاد القمة الثلاثية الأردنية «القبرصية» اليونانية الخامسة يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الشراكات الإقليمية، حيث بات البعد الجيو-اقتصادي يشكل محوراً رئيسياً في العلاقات الدولية، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها التجارة العالمية وسلاسل التوريد والطاقة.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن هذه القمة تأتي في ظروف استثنائية وتقلبات جيوسياسية كبيرة وتصعيد غير مسبوق تشهده المنطقة، والذي انعكس بشكل سلبي على معظم دول العالم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وإغلاق المضائق وتأثر سلاسل الإمداد والتوريد، مما يستدعي تظافر الجهود وزيادة التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث: الأردن وقبرص واليونان.
وعقد جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، أمس الأربعاء، قمة ثلاثية في قصر الحسينية، حضرها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد.
وبحثت القمة الثلاثية الأردنية القبرصية اليونانية الخامسة سبل الارتقاء بالتعاون الثلاثي في شتى المجالات، والشراكة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، كما ناقشت أبرز المستجدات في المنطقة.
وأكد جلالة الملك أن هذه القمة توفر منصة مهمة للتشاور والتنسيق وتوسيع التعاون في العديد من القطاعات الرئيسة، وتعميق الروابط الاقتصادية عبر زيادة حجم التجارة والاستثمار.
وأعرب جلالته عن حرص الأردن على البناء على اتفاقيات التعاون التي تم توقيعها خلال القمم الثلاثية السابقة، خاصة المرتبطة بقطاعات المياه والطاقة والتعليم والسياحة، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من المواقع الاستراتيجية للدول الثلاث، والتي تشكل جسوراً مهمة بين أقاليم عدة.
وبيّن جلالة الملك أن التنسيق بين الأردن وقبرص واليونان على المستوى الثلاثي وضمن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يساهم بشكل إيجابي في العمل نحو تحقيق الاستقرار والازدهار إقليمياً وعالمياً.
وبالحديث عن التطورات الإقليمية، شدد جلالته على أن الصراعات المستمرة وتبعاتها الاقتصادية تتطلب استمرار التنسيق والالتزام بتحقيق الاستقرار والسلام، لافتاً إلى أن التعاون بين الأردن وقبرص واليونان يشكل آلية مهمة للحوار والعمل المشترك، استناداً إلى احترام القانون الدولي وصون سيادة الدول.
وأعاد جلالة الملك التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، لافتاً إلى أن أي اتفاق لإنهاء الحرب يجب أن يضمن إنهاء الاعتداءات والحفاظ على أمن دول المنطقة.
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن القمة الثلاثية الخامسة بين الأردن واليونان وقبرص تأتي في سياق التعاون الأردني مع هذه الدول الأوروبية ضمن إطار أكبر وهو الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فهي تكرّس هذا التقارب الأردني الأوروبي، وبالذات الدور الأردني مع دول شرق المتوسط، ما يعني علاقات اقتصادية أكبر وعلاقات استثمارية وسياحية.
وأشار عايش إلى أنها شكل من أشكال التعاون البناء من أجل خدمة الاستقرار في المنطقة، وهو ما لاحظته البيانات الصادرة عن القمم المختلفة لهذه المجموعة، وأيضاً هذه القمة تقرّب الأردن أكثر من دول الاتحاد الأوروبي وتطوّر علاقات التبادل التجاري بين الأردن وهذه الدول، وتفتح نافذة اقتصادية واستثمارية مهمة للأردن من خلال اليونان وقبرص، كما أنها دافعة لمزيد من التعاون المشترك في إقامة مشاريع تتعلق بالطاقة أو السياحة أو المياه أو العلاقات الإنسانية.
ولفت عايش إلى أن اليونان وقبرص هما الأقرب للأردن والأكثر قدرة على تفهم احتياجاته ونقلها أيضاً إلى المؤسسات المختلفة في الاتحاد الأوروبي، وأن بين الأردن واليونان قواسم مشتركة منها حجم المديونية وكيف استطاعت اليونان تحويلها إلى قصة نجاح، وكيف يعمل الأردن على تحويل مديونيته إلى نوع من الاستدامة، إضافة إلى قبرص التي يرتفع فيها الناتج المحلي الإجمالي.
أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن انعقاد القمة الثلاثية الأردنية القبرصية اليونانية الخامسة يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الشراكات الإقليمية، حيث بات البعد الجيو-اقتصادي يشكل محوراً رئيسياً في العلاقات الدولية، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها التجارة العالمية وسلاسل التوريد والطاقة.
وأوضح الحدب أن أهمية القمة تتضاعف في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم للممرات التجارية العالمية بعد اضطرابات البحر الأحمر والتوترات الإقليمية وارتفاع كلف الشحن والتأمين، ما دفع العديد من الاقتصادات العالمية إلى البحث عن مسارات أكثر استقراراً وكفاءة لربط أوروبا بالمنطقة العربية وآسيا.
وأشار إلى أن تركيز القمة على قطاعات النقل والطاقة والاستثمار وسلاسل التوريد يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية شرق البحر الأبيض المتوسط كمركز اقتصادي عالمي، خاصة أن ما يقارب 20% من التجارة البحرية الدولية تمر عبر البحر المتوسط، الذي أصبح محوراً رئيسياً لحركة الطاقة والتجارة العالمية.
وبيّن الحدب أن الأردن يمتلك فرصة استراتيجية للاستفادة من هذه التحولات، خصوصاً مع المشاريع الكبرى التي تعمل المملكة على تنفيذها في مجالات السكك الحديدية والطاقة والخدمات اللوجستية، والتي تتكامل مع توجهات إقليمية ودولية لإنشاء ممرات اقتصادية تربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأردن وشرق المتوسط.
وأوضح أن ميناء العقبة يمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية الأردنية في هذه المرحلة، حيث تمتلك موانئ العقبة قدرة مناولة تتجاوز 36 مليون طن سنوياً، فيما سجلت حركة المناولة وإعادة التصدير نمواً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، مدفوعة بتعافي التجارة الإقليمية وارتفاع أهمية الموانئ الآمنة والمستقرة في المنطقة.
وأشار الحدب إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الأردن وكل من اليونان وقبرص شهدت تطوراً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري والتعاون في مجالات النقل البحري والطاقة والسياحة والخدمات التجارية، مدفوعاً بارتفاع تجارة الأسمدة والمنتجات الكيماوية والخدمات اللوجستية.
وأضاف أن التعاون الاقتصادي مع قبرص واليونان لا يرتبط فقط بحجم التجارة المباشرة، بل بكون البلدين يمثلان بوابتين استراتيجيتين للأردن نحو الأسواق الأوروبية وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع تنامي الاهتمام الأوروبي بتنويع مسارات التجارة والطاقة خلال المرحلة الحالية.
وأشار إلى أن حجم التجارة بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي يُقدّر بأكثر من 400 مليار يورو سنوياً، ما يعكس الأهمية المتزايدة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط كمركز اقتصادي عالمي، خاصة مع تنامي الحاجة الدولية إلى ممرات تجارية مستقرة وآمنة تربط أوروبا بالشرق الأوسط والخليج العربي.
وبيّن الحدب أن الأردن يمتلك موقعاً جغرافياً يؤهله للاستفادة من هذا التحول، خصوصاً مع ارتباطه بأسواق الخليج والعراق وسوريا، إضافة إلى امتلاكه بنية تحتية قيد التطوير في مجالات النقل والطاقة والموانئ، ما يعزز فرص تحوله إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للحدود.
وأكد أن نجاح المملكة في تعزيز دورها ضمن الممرات التجارية الإقليمية سينعكس مباشرة على زيادة الاستثمارات والتدفقات التجارية ورفع الصادرات الوطنية، الأمر الذي سيدعم معدلات النمو الاقتصادي ويخلق آلاف فرص العمل الجديدة، خاصة في قطاعات النقل والخدمات والصناعة والطاقة والخدمات المساندة.
وأوضح الحدب أن القطاعات المرتبطة بالخدمات اللوجستية والنقل والتخزين والتصنيع التصديري تعد من أكثر القطاعات قدرة على توليد فرص العمل، ما يعني أن توسع الأردن في هذا المجال سيسهم تدريجياً في خفض معدلات البطالة وتحسين مستويات الدخل، خصوصاً في المحافظات المرتبطة بالمشاريع التنموية الجديدة.
وأشار إلى أن الصادرات الصناعية الأردنية سجلت نمواً تجاوز 10% خلال عام 2025، مع تحسن واضح في الصادرات للأسواق الأوروبية، مدفوعة بارتفاع صادرات الأسمدة والأدوية والصناعات الكيماوية والغذائية، ما يعكس تحسناً تدريجياً في قدرة المنتجات الأردنية على النفاذ للأسواق الخارجية.
وأضاف الحدب أن الصادرات السلعية والخدمية تشكل ما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن أي تحسن في كفاءة الممرات التجارية والربط اللوجستي سينعكس مباشرة على معدلات النمو والتشغيل والاستثمار، ويعزز من تنافسية الاقتصاد الوطني خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن القمة تحمل كذلك رسائل اقتصادية مهمة للمستثمرين والشركاء في الخليج العربي، مفادها أن الأردن يمضي بشكل جاد في تطوير بنية تحتية تتلاءم مع مشاريع الربط الإقليمي الجديدة، خصوصاً في مجالات النقل السككي والطاقة والخدمات اللوجستية والممرات التجارية العابرة للحدود.
وأوضح الحدب أن هذا التوجه يتكامل مع إعلان الحكومة مؤخراً عن ضخ استثمارات ومشاريع تتجاوز 9 مليارات دينار خلال المرحلة المقبلة، ما يعكس وجود رؤية اقتصادية متكاملة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل في مختلف المحافظات والقطاعات الإنتاجية.
وأضاف أن هذه التحركات تنسجم بشكل مباشر مع الرؤية الاقتصادية التي يقودها الملك عبد الله الثاني ضمن إطار رؤية التحديث الاقتصادي، والتي تستهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمارات وتحويل الأردن إلى مركز إقليمي للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية خلال السنوات المقبلة.
وختم الدكتور الحدب بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة مخرجات القمة إلى مشاريع اقتصادية فعلية، وتسريع تنفيذ مشاريع الربط والنقل والطاقة، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وزيادة تدفقات الاستثمار وتعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على تحقيق نمو مستدام قائم على الإنتاجية والتكامل الإقليمي.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن القمة الأردنية القبرصية اليونانية تنعقد في عمان لتؤكد على دور الأردن المحوري في إرساء السلام والاستقرار في المنطقة وعلاقته الوثيقة مع دول شرق المتوسط وشراكته الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وأضاف أن هذه القمة تأتي في ظروف استثنائية وتقلبات جيوسياسية كبيرة وتصعيد غير مسبوق تشهده المنطقة، والذي انعكس بشكل سلبي على معظم دول العالم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وإغلاق المضائق وتأثر سلاسل الإمداد والتوريد، مما يستدعي تضافر الجهود وزيادة التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث: الأردن وقبرص واليونان، لخفض التصعيد والوصول إلى اتفاق شامل ينهي حالة الصراع الدائر ويضمن السلام والاستقرار والتنمية والازدهار لشعوب المنطقة والإقليم.
ولفت إلى أن عمل الأردن على توثيق علاقاته مع دول شرق المتوسط من خلال زيادة التعاون المشترك وترسيخ التكامل الاقتصادي ورفع مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية وتنسيق الجهود لزيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري، خاصة في القطاعات الحيوية كقطاع الطاقة والنقل والمياه، والعمل على الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة، خاصة مع إعلان الأردن تنفيذ أكبر حزمة مشاريع استثمارية في قطاعات رئيسية تجاوزت قيمتها الإجمالية حوالي عشرة مليارات دولار، ما يتيح فرصاً حقيقية للاستثمار والشراكة وبما يخدم مصالح الدول الثلاث.
وأشار دية إلى أن موقع الأردن المتميز جغرافياً، الذي يربط بين الشرق والغرب وقربه من الممرات المائية المهمة في المنطقة وحدوده المشتركة مع دول الخليج وسعيه لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط بشبكة سكك حديدية وممرات لوجستية، يستدعي من الدول الأوروبية الاستثمار بشكل أكبر في قطاعات النقل في الأردن لتأمين سلاسل الإمداد والتوريد عبر ممرات آمنة لضمان استمرار تدفق السلع والمنتجات بين دول الإقليم والعالم.
وأكد أن العلاقات الوثيقة بين الأردن ودول الاتحاد الأوروبي تستدعي مزيداً من التعاون واستثمار الفرص وزيادة حجم التبادل التجاري، مع التركيز على مختلف مجالات التعاون، فالأردن يمتلك بيئة استثمارية جاذبة وموقعاً استراتيجياً وفرصاً واعدة في قطاعات متنوعة منها التعدين والصناعات التحويلية وخامات حيوية كالفوسفات والبوتاس وصناعات الأدوية والأسمدة والبتروكيماويات والألبسة، والتي رفعت حجم الصادرات الوطنية إلى دول الاتحاد الأوروبي إلى مستويات قياسية العام الماضي وزادت بأكثر من 70% خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وذكر أن الأردن استطاع، ومن خلال الجهود التي يبذلها جلالة الملك عبدالله الثاني في تعزيز علاقاته مع مختلف دول العالم، أن يثبت أنه واحة أمن واستقرار في ظل محيط مضطرب، وأنه عمل على بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي والتعاون الحقيقي في مختلف المجالات، ما مكنه من القيام بدور محوري في إرساء قواعد السلام والاستقرار الإقليمي.
ــ الراي