الأخبار

البرهان يعتذر للكوادر الطبية عن انتهاكات: بعضهم قدّم معلومات للجيش السوداني

البرهان يعتذر للكوادر الطبية عن انتهاكات: بعضهم قدّم معلومات للجيش السوداني
أخبارنا :  

وجه رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، اعتذاراً مباشراً للكوادر الطبية عن تجاوزات قال إنها صدرت من بعض العسكريين خلال الحرب، مع إقرار بدور واسع للأطباء في "دعم الدولة” خلال الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ اندلاع القتال في أبريل/ نيسان 2023.

وفي خطاب أمام ملتقى وزارة الصحة، قال إن "الجيش الأبيض المرابط في كل صقع من بقاع السودان، يشكل أحد أهم ممسكات الوحدة الوطنية وبقاء الشعب السوداني واستمرار حياته في ظل الحرب والأوضاع الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد”. وقدم اعتذاراً رسمياً باسم القوات النظامية، قائلاً إنه يعتذر "نيابة عن كل العسكريين الذين قد يكونون أساؤوا أو تجاوزوا في بعض المناطق”، في إشارة إلى ما تعرض له بعض العاملين في القطاع الصحي من احتكاكات وانتهاكات خلال سير العمليات العسكرية في عدد من الولايات.

وأشاد بالكوادر الطبية، مؤكداً أنهم عملوا في "ظروف قاسية جداً” وتحت ضغط كبير، وتحملوا أعباءً استثنائية في ظل نقص الإمكانيات وتدهور الخدمات الصحية. وقال إن الأطباء وفرق التمريض لم يكتفوا بتقديم العلاج، بل لعبوا دوراً مهماً في استمرار الخدمة الصحية للمواطنين رغم الحرب. وأضاف أن الدولة تشكرهم "نيابة عن الشعب السوداني كله”، مشيراً إلى أن الظروف الحالية جعلت الحصول على العلاج والدواء أمراً بالغ الصعوبة، وأن الكوادر الطبية كانت في كثير من الأحيان المصدر الوحيد للرعاية.

البرهان: بعض الكوادر الطبية كانوا يقدمون معلومات عن تحركات المجموعات المسلحة خلال العمليات في جنوب الخرطوم

وأشار إلى أن بعض الكوادر الطبية كانوا يقدمون معلومات عن تحركات المجموعات المسلحة خلال العمليات في جنوب الخرطوم، مؤكدًا أن المعلومات التي قال إن طبيبين أو ثلاثة كانوا يقدمونها، ساهمت في "حماية بعض المناطق” خلال المعارك. ولم يوضح البرهان طبيعة هذه المعلومات أو السياق الذي جرى فيه تداولها، لكنه وصف دور بعض الأطباء بأنه تجاوز الإطار العلاجي إلى المساهمة في "معرفة الواقع الميداني”.

وفي المقابل، وجه البرهان اتهامات مباشرة لقوات "الدعم السريع”، قائلاً إنها استهدفت المستشفيات والكوادر الطبية، واحتجزت بعض الأطباء ونقلتهم إلى أماكن غير معلومة، مضيفاً أن مصير عدد منهم لا يزال مجهولاً حتى الآن.

كما أكد أن القوات المسلحة، حسب تعبيره، لم تتعمد استهداف المرافق الطبية، وأن أي أضرار لحقت بها كانت "نتيجة طبيعة العمليات العسكرية”، في حين اتهم الطرف الآخر بتنفيذ "تدمير واسع وممنهج للمستشفيات والمراكز الصحية”. وتطرق البرهان إلى أوضاع النظام الصحي في البلاد، مشيراً إلى وجود تفاوت كبير في الخدمات بين المناطق، وداعياً إلى تعزيز التكامل بين المستشفيات العسكرية والمدنية لتغطية النقص في الخدمة.

كما تحدث عن ضرورة تحسين أوضاع الكوادر الطبية من خلال حوافز إضافية، خاصة في المناطق الطرفية، مقترحاً ما وصفه بـ”علاوات ريفية” لضمان بقاء الأطباء في مواقع عملهم خارج المدن الكبرى.

ويأتي هذا الخطاب في وقت يواجه فيه النظام الصحي في السودان أزمة غير مسبوقة، رغم محاولات التعافي والإصلاح في المناطق الآمنة، حيث خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات عن الخدمة، ونزح آلاف العاملين في القطاع الطبي، بينما تواصل بقية الكوادر العمل في ظل أوضاع بالغة الخطورة.

ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/ نيسان 2023 في الخرطوم، لم تكن الخسائر مقتصرة على الجبهات أو المدنيين فقط، بل امتدت بوضوح إلى الكوادر الطبية التي وجدت نفسها في قلب المعركة.

وتشير تقديرات صادرة عن شبكة "أطباء السودان” وتقارير دولية إلى أن أكثر من 230 من العاملين في القطاع الصحي قتلوا منذ بداية الحرب، بينما أصيب نحو 500 آخرين، في حين لا يزال نحو 60 كادراً طبياً في عداد المفقودين، وسط تقارير عن اعتقال عشرات آخرين في مناطق مختلفة.

هذه الأرقام، رغم قسوتها، لا تعكس سوى جزء من الصورة. فحسب "أطباء بلا حدود”، تعرضت المرافق الصحية لأكثر من 200 هجوم، وتحولت المستشفيات في كثير من الأحيان إلى ساحات قتال أو مواقع تحت السيطرة المسلحة، حيث أصبح الأطباء هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية.

ففي صباح اليوم الأول للحرب، ومع اندلاع الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع” في العاصمة الخرطوم، بدأت المستشفيات تستقبل أعداداً كبيرة من الجرحى.

لكن خلال ساعات، ومع سيطرة قوات "الدعم” على أجزاء واسعة من جنوب العاصمة، دخل مسلحوها إلى عدد من المستشفيات، وتمركزوا عند مداخلها وداخل أقسامها. لم يكن الهدف إغلاق هذه المرافق، بل التحكم فيها، حيث أصبح الأطباء يعملون تحت رقابة مباشرة، ويطلب منهم إعطاء الأولوية لجرحى "الدعم”، وأحياناً يمنعون من استقبال مرضى يشتبه بانتمائهم للجيش.

هذا التحول من الضغط إلى التهديد المباشر ظهر بوضوح في مايو/ أيار 2023، عندما اقتحم مسلحون أحد مستشفيات العاصمة بعد وفاة مصاب، وأطلقوا النار داخل المبنى. وفي الشهر التالي، انتقل العنف إلى مدينة الجنينة، حيث وثقت تقارير أممية هجمات نفذتها قوات "الدعم” ومليشيات متحالفة معها استهدفت فئات مهنية، من بينها الأطباء. بعضهم قتل داخل منازلهم، وآخرون اختفوا بعد اختطافهم.

مع توسع سيطرة قوات "الدعم” في دارفور، اقتحمت مستشفيات ونهبت معداته

في الفترة نفسها، ومع توسع سيطرة قوات "الدعم” في دارفور، اقتحمت مستشفيات ونهبت معداتها، لكن الكوادر الطبية لم تطرد دائماً، بل أجبرت في كثير من الحالات على الاستمرار في العمل تحت إشراف مسلحين. هذا النوع من السيطرة حول المستشفيات إلى مرافق تستخدم تحت التهديد لصالح طرف معين، بدل أن تقدم الخدمة بحياد.

بحلول منتصف 2023، داخل الخرطوم، لم يعد الأطباء قادرين على مغادرة أماكن عملهم. في مناطق سيطرة "الدعم”، كان المنع مباشراً عبر وجود المسلحين داخل المستشفيات، بينما في مناطق الاشتباك، أدى القصف الذي ينفذه الجيش السوداني إلى عزل المرافق الصحية ومنع الحركة. في الحالتين، وجد الأطباء أنفسهم محاصرين، يعملون لساعات طويلة دون راحة، وفي ظل خطر دائم.

في مدينة أمدرمان، غرب العاصمة الخرطوم، حيث دعمت "أطباء بلا حدود” بعض المرافق، استمر العمل الطبي تحت ضغط هائل. المستشفيات استقبلت آلاف الجرحى، لكن التهديد لم يكن فقط من كثافة الحالات، بل من البيئة المحيطة، حيث كانت الغارات الجوية التي ينفذها الجيش والاشتباكات مع قوات "الدعم” تجعل المستشفى نفسه جزءًا من ساحة القتال.

ومع مرور الأشهر، ظهرت أنماط أكثر تعقيداً في مناطق سيطرة "الدعم”، حيث تم أخذ أطباء من المستشفيات إلى مواقع أخرى لعلاج جرحى المقاتلين، في عمليات تمت تحت التهديد المباشر. في الوقت نفسه، تعرض أطباء لتهديدات بسبب نوعية المرضى الذين يعالجونهم، حيث تم تحذيرهم من علاج مصابين يعتقد أنهم تابعون للطرف الآخر.

وفي عام 2024، تصاعد العنف داخل المرافق الصحية بشكل واضح. في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، اقتحم مسلحون من قوات الدعم السريع مستشفى محلياً واعتدوا بالضرب على الكوادر الطبية بعد خلاف حول أولوية العلاج، قبل أن يجبروا على مواصلة العمل. وفي الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، اقتحمت قوات الدعم السريع المستشفى الرئيسي، وأطلقت النار داخله، وتعرض الأطباء للتهديد، وتم نهب المعدات الطبية، ما أدى إلى توقفه عن العمل بالكامل.

في الفاشر، تم اعتقال أكثر من 20 طبيباً، في واحدة من أبرز حالات استهداف الكوادر الطبية بشكل مباشر

لاحقاً في الفاشر، تم اعتقال أكثر من 20 طبيباً، في واحدة من أبرز حالات استهداف الكوادر الطبية بشكل مباشر. هذه الحادثة ليست معزولة، حيث لا يزال عشرات الأطباء محتجزين في مناطق مختلفة، خاصة في مناطق سيطرة الدعم السريع، مع شهادات عن تعرض بعضهم لسوء المعاملة والتعذيب والقتل.

ومع انتقال القتال إلى ولاية الجزيرة وسط البلاد، بعد اجتياح قوات الدعم السريع، تكررت ذات الاعتداءات على المرافق الصحية،حيث تم استهدافها واقتحامها بقوة السلاح بالإضافة إلى تهديد الكوادر الطبية، وفرض السيطرة على العمل داخل المستشفيات. في المقابل، استمر تأثير القصف الجوي الذي ينفذه الجيش السوداني في تعريض الكوادر الطبية للخطر.

رغم كل ذلك، ما يظهر في الإحصاءات هو فقط الجزء المرئي من الأزمة، بينما يبقى الجزء الأكبر غير مسجل، حيث لا تزال الأرقام غير مكتملة وعمليات الرصد للانتهاكات ضد الكوادر الصحية تواجه تحديات أمنية ولوجستية تؤدي للكثير من حالات التهديد، والإجبار على العمل، والابتزاز داخل المستشفيات لا يتم توثيقها، إما بسبب الخوف أو لوقوعها داخل مناطق عمليات عسكرية أو لأن الكوادر الطبية التي تم الاعتداء عليها نفسها تم قتلها أو تعرضت للاختفاء القسري.

مواضيع قد تهمك