سمير حمدان ــ بوداست : أوروبا بين العسكرة والرفاه .. صدام فرنسي ألماني على من يدفع الثمن
* أمن مرتفع الكلفة… واقتصاد لا يتحمّل صدمة التمويل
رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي لا يعني تعديلًا في بند مالي، بل إعادة توزيع مئات المليارات داخل اقتصادات تنمو بالكاد، وهذا ما حوّل النقاش داخل ألمانيا وفرنسا من اختلاف سياسي إلى مواجهة حول حدود القدرة، ما طرحه دونالد ترامب لم يكن رقمًا تفاوضيًا، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة أوروبا على تمويل أمنها دون تفكيك نموذجها الاجتماعي.
المعادلة المالية واضحة، الإنفاق الدفاعي الأوروبي يدور حول 2%، والانتقال إلى 5% يعني إضافة ما بين 300 و400 مليار يورو سنويًا، وهو رقم يتجاوز الهامش المتاح في معظم الميزانيات، ألمانيا وحدها ستحتاج إلى أكثر من مضاعفة إنفاقها من نحو 90 مليار إلى ما يفوق 200 مليار سنويًا، وهو تحول لا يمكن استيعابه دون إعادة ترتيب جذرية لأولويات الدولة، وهي فجوة تمويلية تعكسها أيضًا تقديرات المفوضية الأوروبية حول القيود المالية داخل الاقتصادات الكبرى.
هذا ما يفسر موقف برلين، ألمانيا لا ترفض تعزيز القوة العسكرية، لكنها ترفض تجاوز معادلة التمويل، في ظل تباطؤ صناعي وضغوط على الإنفاق الاجتماعي وقيود قانونية على الدين، ما يجعل أي قفزة دفاعية بهذا الحجم مشروطة بإعادة توزيع الموارد داخليًا.
في المقابل، تبدو فرنسا أكثر استعدادًا سياسيًا لرفع الإنفاق، لكنها أقل مرونة ماليًا، مع دين يقترب من 110% من الناتج وعجز يقارب 5%، ما يجعل أي توسع سريع في الميزانية العسكرية محفوفًا بمخاطر على الاستقرار المالي، وهو ما تحذر منه أيضًا تقارير البنك المركزي الأوروبي بشأن استدامة الدين في بيئة نمو ضعيف.
اقتصاديًا، يأتي هذا النقاش في لحظة ضعف نسبي، تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى نمو لا يتجاوز 1% في الاقتصادات الأوروبية الكبرى مقابل نحو 3% عالميًا، مع استمرار ارتفاع كلفة الطاقة، وهو ما تؤكده بيانات الوكالة الدولية للطاقة حول فجوة الأسعار بين أوروبا والمنافسين.
المفارقة الحاسمة تظهر عند المقارنة مع الولايات المتحدة، التي تنفق أكثر لكنها تفعل ذلك ضمن اقتصاد ينمو بوتيرة أعلى وبكلفة إنتاج أقل، ما يجعل كل دولار يُنفق جزءًا من منظومة توسعية، بينما كل يورو أوروبي يُنفق يأتي من قاعدة أضعف، وهي فجوة أشار إليها تحليل صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية باعتبارها أحد مصادر الاختلال البنيوي في قدرة أوروبا على مجاراة المنافسة.
عسكريًا، لا تتعلق المشكلة بالحجم فقط، بل بالكفاءة، أوروبا لا تزال تفتقر إلى سوق دفاعية موحدة، ما يعني أن الإنفاق يمر عبر أنظمة وطنية متكررة ترفع الكلفة وتحد من الفاعلية، وهو ما توضحه تقارير وكالة الدفاع الأوروبية حول تشتت الصناعات الدفاعية داخل القارة.
في هذا السياق، يصبح النقاش داخل حلف شمال الأطلسي أكثر حساسية، لأن الطرح الأمريكي يفترض قدرة أوروبية على تحمل الكلفة كاملة، بينما الواقع يشير إلى فجوة بين الطموح والإمكانات، سواء من حيث التمويل أو البنية الصناعية.
سياسيًا، التحول نحو إنفاق دفاعي بهذا الحجم يعيد فتح العقد الاجتماعي الأوروبي، لأن تمويل الأمن سيأتي على حساب الرفاه، في مجتمعات بُنيت على ضمان الاستقرار المعيشي، لا على منطق التضحية الأمنية، ما يزيد من احتمالات التوتر الداخلي.
الخلاف بين باريس وبرلين لا يبقى ثنائيًا، بل ينعكس على تماسك الاتحاد الأوروبي، حيث تعتمد فعالية القرار الأوروبي على توافق هاتين العاصمتين، وأي تباعد بينهما يضعف الاتجاه العام ويعقّد الاستجابة الجماعية.
في العمق، أوروبا تواجه معادلة لا تقبل التأجيل، لا يمكن الحفاظ على رفاه واسع وبناء قوة عسكرية كبيرة والبقاء اقتصادًا منخفض الكلفة في الوقت نفسه، أحد هذه العناصر سيُعاد تعريفه.
السيناريو الأكثر واقعية هو رفع تدريجي للإنفاق مع تحسين الكفاءة عبر تنسيق صناعي وتقليل التكرار، لكنه يظل محدودًا دون إصلاحات أعمق في بنية الاقتصاد الأوروبي.
الحلول معروفة، أدوات تمويل مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي، تكامل دفاعي، وربط الإنفاق العسكري بقاعدة إنتاجية تعزز النمو، لكن العقبة الأساسية تبقى سياسية، لأن كلفة التحول لا يمكن توزيعها دون خلاف.
في النهاية، لا يتعلق الصراع بنسبة 5% بقدر ما يتعلق بالسؤال الأعمق، من سيدفع ثمن التحول، لأن السيادة لم تعد تُقاس بالقرار فقط، بل بالقدرة على تمويله، وأوروبا تجد نفسها أمام لحظة حاسمة، إما أن تعيد تشكيل نموذجها لتتحمل كلفة القوة، أو أن تحافظ عليه وتقبل بتراجع دورها في نظام دولي لا ينتظر المترددين .