د. بسام البطوش : الدفعة 34
ذكريات جميلة ومؤثرة استحضرتها وأنا أتابع بشغف خطاب سمو ولي العهد الأمير الشاب الحسين بن عبدالله بمعانيه العميقة التي لامست شغاف القلوب في حفل تخريج شباب الوطن من منتسبي الدفعة الأولى من خدمة العلم بحلتها الجديدة.
لقد أعادتني تلك المشاهد عقوداً إلى الوراء لأسترجع تجربتي شاباً تخرج للتوّ في الجامعة، ليلتحق فوراً مكلفاً في الدفعة (34) ما بين سنتيّ 1986-1988م، فقد امضيت 731 يوماً مليئة بتجارب ومحطاتٍ، تركت أثراً عميقاً لا يُمحى في حياتي.
بدأت رحلتي من مديرية التجنيد والتعبئة العامة في محافظة الكرك، حيث انطلقنا في رحلةٍ على متن سيارات النقل العسكرية الشهيرة أردنياً (الكونتنتال) عبر الطريق الصحراوي، قاصدين مركز التدريب (91) في منطقة خو (صالح شويعر حالياً) في تلك الرحلة، كنا نحو عشرين شاباً، تشكلت منا لوحة فسيفسائية غالبيتنا كانوا من خريجي جامعاتنا الوطنية (الأردنية واليرموك) والبقية تخرجوا في الجامعات العراقية والسورية، وجامعات الاتحاد السوفييتي وبلغاريا ورومانيا ودول أوروبا الشرقية.
في مركز التدريب، وجدنا أنفسنا أمام حياةٍ أخرى وعالمٍ جديد كلياً. استقبلنا المدربون بحزمٍ وانضباط وشكّلونا في فصائل وسرايا وكتائب. هناك، ذابت كل الفوارق، واندمجنا بشباب الوطن القادمين من كافة المحافظات، بمختلف خلفياتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية والتعليمية، كلنا نرتدي الفوتيك ونحمل الشعار، ولا تزال كلمات وهيبة آمر المدرسة، العميد الراحل عاكف محمود المجالي -رحمه الله- وسائر الضباط وضباط الصف، محفورةً في الذاكرة كدروسٍ لا تُنسى في الجندية والانضباط.
بعد ثلاثة أشهر في ميداين التدريب كان حفل التخريج والتوزيع على التشكيلات والوحدات العسكرية. التحقت بالخدمة في قيادة مدفعية الفرقة الرابعة. في تلك الحقبة دأبت القيادة العامة على إعارة عدد من المكلفين الجامعيين للخدمة كمعلمين في مدارس وزارة التربية والتعليم في المناطق النائية، وكان من نصيبي الإعارة للتربية، فعشت تلك التجربة الاستثنائية كمعلّمٍ مكلفٍ في مدرسةٍ ريفية نائية بقرية "غرندل" في محافظة الطفيلة الهاشمية. ولا أزال أذكر كلمات الأستاذ صطام عواد مدير شؤون الموظفين في وزارة التربية وهو يقول: "ستذهب إلى الطفيلة فهي الأقرب إلى الكرك". في مدرسة غرندل التقينا ثلاثة مكلفين المكلف المعلم راضي الشناق، والمعلم المكلف كمال المومني، وأنا. في غرندل كانت المدرسة أما السكن فكان في بصيرا، في تلك الديار العابقة بالطيبة والكرم تعرفت على جيل رائع من معلمي وزارة التربية في الطفيلة، ولن أنسى مدير مدرسة غرندل الإعدادية الأستاذ عبدالمعطي الرفوع رحمه الله، فقد كان لنا نعم السند والظهير.
في تلك التجربة اختبرت معنى البركة والرضا؛ حيث كان راتب التربية أربعون ديناراً يُضاف إلى راتب الجيش البالغ تسعة عشر ديناراً، فكانت الحصيلة "معاشاً" يحمل في طياته معاني البركة والرضا والإكتفاء. وبعد فصلٍ دراسيٍ واحد حافلٍ بالذكريات، عدت مجدداً إلى وحدات المدفعية في "أم السوس" و"الصبيحي"، وشاركت بفخر في مناورة الكتيبة الخامسة في ميادين "حمرا حمد" الشاسعة.
لم تكن خدمة العلم مجرد مرحلةٍ عابرة أو تأديةٍ لواجبٍ وطني فحسب، بل كانت مدرسةً حقيقية ساهمت في تشكيل شخصيتي وصقل هويتي. لقد ساهمت في تكوين منظومةً متكاملة من القيم والمهارات التي ما زلت أعتز بها وأستند إليها حتى اليوم؛ بدءاً من الانضباط والالتزام واحترام الوقت، وصولاً إلى تحمل المسؤولية، والاعتماد المطلق على النفس، والقدرة على التكيّف مع الظروف.
كان يومنا يبدأ مع خيوط الفجر الأولى، ضمن نظامٍ دقيق وصارم يشمل ترتيب السرير بعناية والاستعداد السريع، والوقوف في طابور الرياضة الصباحي، ثم تناول الإفطار، لينطلق بعدها يومٌ حافلٌ بالتدريب الشاق والعمل الدؤوب. كانت تجربةً عززت لياقتنا البدنية، وكشفت لنا عن الوجه الخشن للحياة، ورسخت في أعماقنا روح العمل الجماعي والعيش المشترك.
لعل من أعظم إنجازات خدمة العلم أنها أسهمت بشكلٍ عميق في بناء هويةٍ وطنيةٍ جامعة وفي الحقيقة مؤسسة الجيش ساهمت مساهمة فاعلة إلى جانب النظام التعليمي في بناء اسس الهوية الوطنية الأردنية في تجلياتها المعاصرة التي نعرف ونعيش. فقد أتاحت لنا التعرف عن قرب على أبناء الوطن من مختلف المحافظات والخلفيات من المدن والقرى والبوادي والمخيمات، مما عزز قيم الاندماج المجتمعي وقلّص الفوارق الاجتماعية، وخلق صداقاتٍ متينة تمتد عبر الزمان والمكان. ومن الجميل أن أستذكر هنا إحدى تلك الصداقات التي أعتز بها فقد وُلدت في المعسكر في "أم السوس"، مع زميلي المكلف آنذاك، وزير الثقافة الحالي الأستاذ مصطفى الرواشدة، والذي زاملته لاحقاً في مجلس النواب.
ولا يمكنني أن أنسى تلك التفاصيل البسيطة التي أضحت ذات معنىً عميق في حياتي... لذة الطعام بعد يومٍ شاقٍ من التدريب والعمل، الالتزام المطلق بالمواعيد، وذلك الشعور الخاص والفريد من "العزّة" الذي يدركه حقاً من عاش التجربة، وارتدى "الفوتيك" العسكري، وحمل شعار الجيش العربي الأردني بفخرٍ على جبينه.
خدمة العلم ليست مجرد فترة زمنية نقضيها، بل هي تجربةٌ تصنع الإنسان، وتبقى آثارها محفورةً في الوجدان.
سعيدٌ بعودة الروح إلى شباب الأردن،