حسن الدعجة : التلفزيون الأردني: ذاكرة الوطن وسرديته
في الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاق التلفزيون الأردني، لا يبدو الحديث عنه مجرد استعادة لمسيرة مؤسسة إعلامية عريقة، بل استحضار لذاكرة وطن بأكمله، اختُزلت تفاصيله وتحولاته في صورة وصوت رافقا الأردنيين جيلاً بعد جيل، وشكّلا جزءاً أصيلاً من وجدانهم الجمعي. فمنذ انطلاق بثه عام 1968، لم يكن التلفزيون الأردني مجرد وسيلة نقل للأخبار أو عرض للبرامج، بل تحوّل إلى مرآة عاكسة لمسيرة الدولة، وسجل حيّ لتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والعلمي، بما يجعل منه بحق "أرشيف الأمة" وذاكرتها البصرية. وقد أسهم، عبر عقود، في توثيق التحولات الكبرى واللحظات المفصلية، ناقلاً نبض الشارع وصوت الدولة معاً، ومؤسساً لوعي وطني تراكمي يعزز الانتماء ويحفظ الهوية.
لقد لعب التلفزيون الأردني دوراً محورياً في توثيق اللحظات المفصلية في
تاريخ المملكة، من التحولات السياسية الكبرى، إلى مسارات الإصلاح والتحديث،
مروراً بالأحداث الإقليمية التي كان للأردن فيها موقف ودور. ومن خلال
تغطيته المستمرة، ساهم في تشكيل وعي وطني جمعي، حيث لم يكتفِ بنقل الحدث،
بل قدّمه ضمن سياق يعزز الفهم ويعمّق الانتماء، ويقرّب المواطن من دوائر
صنع القرار. وهنا تتجلى أهميته كفاعل في بناء السردية الوطنية، لا كمجرد
ناقل لها، بل كشريك في صياغتها وترسيخها.وعلى الصعيد الاجتماعي، كان
التلفزيون الأردني حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين، يوحّدهم حول
شاشة واحدة، ويعكس تنوعهم الثقافي والجغرافي ضمن إطار جامع يعزز روح
الانتماء. فقد احتضن برامج الأسرة، والمسلسلات المحلية، والحوارات
المجتمعية، التي ناقشت قضايا الناس وهمومهم بواقعية وعمق، وأسهمت في ترسيخ
قيم التضامن والتكافل. لذلك، لم يكن غريباً أن يوصف بأنه "تلفزيون الأسرة"،
إذ شكّل مساحة مشتركة التقت فيها مختلف الأجيال، وتناقلت عبرها القيم
والتقاليد، معزّزاً الروابط الاجتماعية بين مكونات المجتمع.
أما ثقافياً، فقد كان التلفزيون الأردني منبراً للإبداع، احتضن الفنانين
والمبدعين، وفتح لهم المجال للتعبير عن هويتهم الوطنية من خلال الدراما
والبرامج الثقافية والفنية، بما عزّز حضور الثقافة الأردنية في الفضاءين
المحلي والعربي. وقد أسهم في إبراز الموروث الأردني، من خلال توثيق العادات
والتقاليد، وتسليط الضوء على الفلكلور الشعبي بمختلف أشكاله، مما ساعد في
حفظ هذا الإرث من الاندثار، ونقله إلى الأجيال الجديدة بأسلوب حديث وجاذب
يوازن بين الأصالة والتجديد.ولم يقتصر دوره على ذلك، بل امتد إلى المجال
العلمي والتعليمي، حيث قدم برامج توعوية وتعليمية أسهمت في رفع مستوى الوعي
العام، ونشر المعرفة في مختلف التخصصات، من الصحة والبيئة إلى التكنولوجيا
والبحث العلمي. كما لعب دوراً مهماً في تبسيط المفاهيم العلمية وتقديمها
بأسلوب قريب من الجمهور، ما عزز ثقافة التعلم المستمر. وفي مراحل سابقة،
كان التلفزيون مصدراً أساسياً للمعلومة، ووسيلة تعليمية مكمّلة، خاصة في ظل
محدودية وسائل الاتصال الأخرى، مما عزز من دوره كمؤسسة تنويرية بامتياز،
تسهم في بناء الإنسان الواعي.
إن القيمة الحقيقية للتلفزيون الأردني تكمن في قدرته على بناء سردية وطنية
متماسكة، تستند إلى الحقائق وتُصاغ بلغة قريبة من الناس، ما جعلها راسخة في
الوجدان الجمعي ومؤثرة في تشكيل الوعي العام. فقد وثّق مسيرة الدولة
بأسلوب متوازن يجمع بين المهنية والمسؤولية، محافظاً على الهوية الوطنية،
وخصوصية التجربة الأردنية في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية. ومن
خلال هذا التوثيق المستمر، لم يكتفِ بحفظ الأحداث، بل ساهم في تفسيرها
وربطها بسياقها التاريخي، مما عزز مناعة الذاكرة الوطنية وحماها من التشويه
أو النسيان.
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، أثبت التلفزيون الأردني قدرة لافتة على
مواكبة التغيرات في أنماط استهلاك المحتوى، لا سيما لدى الأجيال الشابة،
من خلال تطوير أدواته الإعلامية وتوسيع حضوره على المنصات الرقمية
والتفاعلية. فقد نجح في الجمع بين أصالة الرسالة وحداثة الوسيلة، مقدّماً
محتوى نوعياً يتناسب مع اهتمامات الجمهور الجديد دون أن يتخلى عن هويته
المهنية الراسخة. ويعكس هذا التكيّف الواعي رؤية مؤسسية مرنة، تؤكد أن
التلفزيون الأردني لا يواكب التحولات فحسب، بل يسهم في تشكيلها وتعزيز
حضوره وتأثيره في المشهد الإعلامي المعاصر.
إن الحفاظ على مكانة التلفزيون الأردني لا يقتصر على تطوير أدواته التقنية،
بل تجسد بالفعل في تجديد خطابه الإعلامي بما يواكب تطلعات الأجيال
الجديدة، ويعكس في الوقت ذاته ثوابت الهوية الوطنية. وفي هذا السياق، نجحت
إدارة التلفزيون، ممثلة برئيس مجلس الأمناء والمدير العام، إلى جانب الأسرة
الإدارية والإعلامية، في مواكبة التطورات الحديثة في صناعة الإعلام، عبر
تبنّي رؤى مرنة وأدوات عصرية تعزز الحضور والتأثير. وهكذا تتحقق المعادلة
الحقيقية في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التوثيق التاريخي والرؤية
المستقبلية.
يبقى التلفزيون الأردني أكثر من مجرد مؤسسة إعلامية؛ إنه ذاكرة الوطن
الحيّة، وسرديته الجامعة، ومنبره الذي عبّر من خلاله عن ذاته، وحافظ على
هويته، وروى قصته للعالم بصدق ومسؤولية. لقد شكّل عبر عقود ركيزة أساسية في
ترسيخ الوعي الوطني وتعزيز الانتماء، كما أسهم بوضوح في ترسيخ الولاء
للقيادة الهاشمية وتعميق الارتباط بثوابت الدولة الأردنية، وواكب التحولات
الكبرى بثبات ومهنية، محافظاً على توازن دقيق بين نقل الحقيقة وصون المصلحة
الوطنية. كما أسهم في بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وكان شاهداً
على الإنجازات والتحديات على حد سواء. وفي هذه الذكرى، لا نحتفي فقط بماضٍ
عريق، بل نجدد الثقة بدوره المستقبلي، كحارس للذاكرة، وصانع للوعي، وفاعل
مؤثر في تشكيل إعلام وطني حديث يواكب التحديات ويستشرف الفرص، ويظل قريباً
من نبض الناس وتطلعاتهم.
*أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد