الكاردينال بيتسابالا يدعو لحماية هوية القدس ويرفض منطق القوة والعنف
دعا بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا إلى الحفاظ على هوية مدينة القدس المقدسة، وصون طابعها الديني والتاريخي، واحترام حقوق سكانها، وتكثيف الجهود الدولية الرامية إلى حمايتها، وعدم إخضاعها لحلول أحادية أو إقصائية.
وجاءت دعوة بيتسابالا في رسالة رعوية جديدة صادرة عن بطريركية القدس للاتين، بعنوان "حول أسلوب عيش دعوة الكنيسة في الأرض المقدسة"، وذلك بعد مرور عقد كامل على خدمته في الأرض المقدسة، حيث شكلت الرسالة وثيقة تجمع بين البعد الروحي والتأمل الكتابي، وقراءة واقعية دقيقة لأوضاع الكنيسة والمنطقة.
وقدم البطريرك في رسالته قراءة نقدية واضحة للأوضاع السياسية والإنسانية الراهنة، مشيرا إلى أن الأزمات المتجددة في المنطقة بلغت ذروتها مع الحرب على غزة، وقد تبعها تداعيات تمثلت في التهجير، وتفاقم الفقر، وتزايد مظاهر التفكك الاجتماعي، مشيرا إلى أن هذه الأزمات لم تعد مرحلة عابرة، بل تحولت إلى واقع مستدام بات يشكل جزءا من ثقافة المكان، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في كيفية عيش الإيمان وممارسة الخدمة الرعوية، من خلال تبني مقاربات استراتيجية طويلة الأمد، تركز على تحقيق الشفاء الاجتماعي، وتعزيز العدالة، وترسيخ ثقافة الحوار، بدلا من الاكتفاء بردود الفعل الآنية.
من جهته، قال مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الأب رفعت بدر، إن الرسالة تقدم خطوات عملية وروحية تساعد المؤمنين بشكل عام على عيش إيمانهم في ظل التحديات الراهنة، لافتا إلى أن البطريركية اللاتينية تمتد بسلطتها الروحية عبر كنائسها ومؤسساتها في كل من الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص.
وأضاف أن الرسالة لم تغفل البعد السياسي، بل تناولته بنبرة تجمع بين الطابع الروحي والنقدي، حيث أشار البطريرك إلى أن ما يحدث في المنطقة لا يمكن اعتباره نزاعا عابرا، بل يعكس مؤشرات على تراجع النظام الدولي متعدد الأطراف، في ظل تزايد الاعتماد على منطق القوة والردع بدلا من القانون والحوار، الأمر الذي أسهم في تصاعد العنف وتعميق المعاناة الإنسانية.
وبين بدر أن البطريرك، الذي يحيي هذا العام مرور عشر سنوات على قيادته للبطريركية، بدأها كمدبر رسولي منذ عام 2016، ثم بطريركا منذ عام 2020، قبل أن يعلن كاردينالا في عام 2023، حذر في رسالته من تحويل الحرب إلى أداة مشروعة للاحتلال أو الابتزاز، كما أدان استغلال الخطاب الديني أو الأماكن المقدسة لتبرير العنف أو الإقصاء.
وأكد أن الرسالة شددت على ضرورة رفض العنف كخيار نهائي، وأن القوة لا يمكن أن تكون أفقا دائما، داعية إلى ضبط السلوك، واحترام قواعد القانون الإنساني الدولي، مع الإشارة إلى وجود إخفاقات واضحة في تطبيق هذه القواعد على أرض الواقع.
وأشار بدر إلى أن الرسالة، الصادرة باللغة الإيطالية والمترجمة إلى العربية، دعت إلى تبني ما وصفه البطريرك بـ"الدبلوماسية الإنسانية"، وهي دبلوماسية تقوم على الحوار القائم على القرب والرحمة، وليس على المصالح الجيوسياسية الضيقة، مشجعا في الوقت ذاته على دعم الجهود الدبلوماسية والضغوط الدولية الهادفة إلى حماية المدنيين، والعمل على إيجاد حلول عادلة وشاملة.
كما طالب البطريرك المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في حماية مدينة القدس والحفاظ على هويتها الدينية والتاريخية، مؤكدا أن أي طرح يتعلق بالمدينة يجب أن يقوم على احترام حقوق السكان المحليين، وضمان تقاسم الأماكن المقدسة بشكل عادل.
وأوضحت الرسالة بحسب الأب بدر دور الكنيسة، مؤكدة أنها ليست جهة سياسية بالمعنى المرتبط بالسلطة أو المصالح، بل تمثل صوتا أخلاقيا يدعو إلى العدالة والرحمة، ويعمل في مجالات إنسانية متعددة تشمل التعليم والصحة والإغاثة، إلى جانب الدعوة إلى حلول سياسية عادلة لا تستثني أحدا.
وختم الأب بدر بالتأكيد على أن الرسالة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات، مشيرا إلى أنها تقدم نقدا لسياسات القوة وتراجع آليات الضبط الدولي، وتطرح في المقابل دعوة واضحة إلى اعتماد دبلوماسية إنسانية قائمة على العدالة، تحفظ كرامة الشعوب، وتحمي الهوية الدينية والتاريخية لمدينة القدس، مع التأكيد على الدور الأخلاقي والإنساني للكنيسة في هذا السياق.