الأخبار

محمد ابو رمان : جسر الملك حسين وسياسة المعابر البرية

محمد ابو رمان : جسر الملك حسين وسياسة المعابر البرية
أخبارنا :  

قد تكون ساعات الانتظار على جسر الملك حسين أكثر تأثيراً من قرارات سياسية كبرى، من هنا تبدو أهمية الاتفاقية التي وقعتها وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية مع شركة الخطوط الجوية الملكية الأردنية، بحضور وزيري الأوقاف محمد الخلايلة والنقل نضال القطامين، والتي تمتدّ لخمس سنوات، ويتم بموجبها تقديم خدمات متكاملة للمسافرين القادمين من الضفة الغربية والداخل الفلسطيني عبر جسر الملك حسين، من خلال استئجار مبنى داخل مدينة حجاج غور نمرين من قبل الملكية الأردنية، ليكون مركزاً متطوراً للخدمات اللوجستية للمسافرين، بمن فيهم فلسطينيو عام 1948، بهدف تسهيل إجراءات السفر وتعزيز انسيابية الحركة، خصوصاً خلال موسمي الحج والعمرة.

تمثّل هذه الاتفاقية خطوة مهمة على أكثر من صعيد؛ الأول إدراك مراكز القرار في الأردن لأهمية المعابر البرية اليوم مع دول الجوار، وضرورة إحداث ثورة حقيقية في مستوى الخدمات اللوجستية والفنية والإدارية فيها، لما أصبحت تمثّله هذه المعابر مع التطورات والتحولات الكبيرة الجارية في العالم، فيما يخصّ انتقال الأشخاص والبضائع والتجارة البينية والمصالح المتبادلة داخل الإقليم، مما يجعل من هذه المعابر البرية مفتاحاً مهماً من مفاتيح تطوير إمكانيات الأردن وميزته التنافسية الإقليمية، وعاملاً من عوامل الجذب، ونموذجاً مميزاً على صعيد المنطقة، من حيث الصورة والخدمات التي يقدّمها في حركة العبور والسفر والنقل، سواء للبضائع أو الأفراد.

تمثّل المعابر نموذجاً مصغّراً ومهماً لحركة العبور، وللانطباعات التي تتشكل لدى القادمين والمغادرين؛ فهي إما أن تعطي صورة أننا دولة متقدمة، تمتلك إمكانيات مميزة على صعيد البنية التحتية والخدمات المتطورة وتوفير سبل الراحة، من جهة، وكذلك احترام القانون والأنظمة والالتزام بمعايير إنسانية وحضارية، من جهة ثانية، وإما أن يكون العكس صحيحاً، فتشكّل المعابر حينها صورة سلبية منفّرة وعامل طرد.

تاريخياً، لم يكن هنالك اهتمام كافٍ ولائق بالخدمات الإدارية واللوجستية المقدّمة على المعابر، لكن اليوم أصبحت المسألة مختلفة مع ازدياد أهمية المجال البري بين دول المنطقة، وسلاسل الإمداد، والحديث عن طرق التجارة العالمية والإقليمية؛ فإنّ مسألة الاهتمام بالمعابر وتطوير الخدمات والبنية التحتية والفكر اللوجستي لدى دوائر القرار والسياسات باتت في غاية الأهمية، بخاصة إذا ربطنا ذلك بالسياحة وتحسين الخدمات السياحية، ولا سيما الإقليمية مع دول الجوار.

ما نأمله أن تُحدث هذه الاتفاقية بالفعل نقلة نوعية كبيرة في مستوى الخدمات اللوجستية والبنية التحتية والخدمات المقدّمة، وتطوير المجال الإداري فيها، لتكون واجهة وعنواناً مميزاً للأردن، وأن يتم استنساخ هذا النموذج على المعابر الأخرى كافة مع سورية والعراق والسعودية. وهنا نشير إلى مفارقة يتحدث عنها المسافرون في المعبر البري مع سورية؛ إذ قامت الحكومة السورية الجديدة بتطوير كبير في المعبر والخدمات المقدّمة فيه، بينما ما يزال المعبر في الجانب الأردني دون المستوى المطلوب لوجستياً وخدماتياً، بالرغم من أهميته الحالية والمستقبلية المتوقعة، والحال كذلك بالنسبة للمعابر الأخرى.

يمكن الوصول إلى تطوير المعابر بالطريقة نفسها التي تعمل بها الحكومة الحالية، أي من خلال التعاون مع الشركات والمستثمرين والقطاع الخاص، ليتولى تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية والاستثمار في المجالين التجاري والاقتصادي، ويمكن ربط ذلك أيضاً بالمجتمع المحلي وتطويره وتنميته، بحيث تكون النتيجة أنّ الجميع رابحون. وهو ما يثير التساؤل: لماذا التأخر حتى الآن في المضيّ بخطوات أسرع في تطوير المعابر وتحسينها؟

أما الصعيد الثاني المرتبط بأهمية هذه الخطوة، أي توقيع اتفاقية جسر الملك حسين، فيتمثل في أهمية ملف الضفة الغربية اليوم بالنسبة للأردن والمصالح الأردنية الفلسطينية، بخاصة مع سياسات حكومة بنيامين نتنياهو الخطيرة هناك، إذ يسعى إلى التضييق الشديد على الفلسطينيين ودفعهم إلى الهجرة والبحث عن بديل، وتفريغ الضفة من سكانها. وعليه يمكن فهم أهمية الأردن بالنسبة للضفة بوصفه الرئة الوحيدة التي يتنفس منها سكانها، وهمزة الوصل بينهم وبين العالم الخارجي، من جهة، كما أنّ نسبة كبيرة من سكان الضفة من العاملين في الخارج يعودون عبر الأردن. ومع تصاعد التضييق الإسرائيلي على الجسر، بات كثير من المغتربين الفلسطينيين يترددون في العودة إلى الضفة في العطل والإجازات بسبب ساعات الانتظار المرهقة والطويلة.

من هنا تأتي أهمية تطوير البنية التحتية، والتحسين الكبير في الخدمات المقدّمة، وتوفير سبل الراحة، كسياسة مواجهة ضد أجندة حكومة نتنياهو، وتحسين مسألة العبور والقدوم على الجسر، كي لا تتحول الضفة إلى سجن كبير قاسٍ يدفع الفلسطينيين إلى المغادرة.

في الخلاصة، ترتقي سياسة الجسور اليوم لتصبح مسألة على درجة كبيرة من الأهمية، وتقتضي تفكيراً استراتيجياً مختلفاً من قبل دوائر القرار.

مواضيع قد تهمك