الأخبار

د. خالد الشقران : جسر الحياة من عمان إلى غزة

د. خالد الشقران : جسر الحياة من عمان إلى غزة
أخبارنا :  

في سياق تتقاطع فيه المأساة الإنسانية مع عجز النظام الدولي عن فرض استجابات متوازنة، يبرز الفعل الأردني بوصفه تعبيرا عن دولة تعيد تعريف دورها عبر المبادرة وترجمة القيم إلى سياسات قابلة للتنفيذ، حيث يظهر هنا الممر الطبي الأردني – غزة كمقاربة متقدمة تجعل من إنقاذ الأطفال مدخلا لاستعادة معنى المسؤولية في الإقليم، وفي لحظة يختبر فيها الضمير الإنساني قدرته على الفعل، تتحول هذه التجربة إلى نموذج يعكس أن قوة الدور تقاس بوضوح الإرادة وصلابة الالتزام، خاصة وأن ما يجري يتجاوز كونه إجراء صحيا ليغدو تعبيرا سياسيا أخلاقيا يعيد توجيه البوصلة نحو أولوية الحياة والكرامة، ويكرس الفعل الإنساني بوصفه جزءا أصيلا من معادلة الاستقرار.

تتجلى هذه الرؤية في استمرار عمليات إجلاء الأطفال المرضى من قطاع غزة رغم التعقيدات الميدانية التي تفرضها الحرب، حيث واصل الأردن تنفيذ دفعات متتالية كان أحدثها قيام القوات المسلحة الأردنية بإجلاء الدفعة السادسة والعشرين التي ضمت 81 طفلا مريضا إلى جانب 108 مرافقين من ذويهم، وفي الواقع إن هذا الرقم في ذاته يحمل دلالة مزدوجة، فهو يعكس حجما متزايدا من الحاجة الإنسانية من جهة، ويؤكد قدرة الدولة في الحفاظ على إيقاع منتظم من الاستجابة من جهة أخرى، في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالاضطراب والانكشاف وربما العجز حيال المأساة الإنسانية في غزة.

ومنذ مطلع آذار 2025، بلغ عدد من تم إجلاؤهم 2422 شخصا بين مريض ومرافق، في مؤشر واضح على أن المبادرة لم تكن خطوة رمزية، بل مسارا مستمرا يتقدم بثبات نحو هدفه المعلن بإجلاء 2000 طفل مريض للعلاج. وفي موازاة هذا التراكم الكمي ثمة تحول نوعي في طبيعة الاستجابة، حيث يتلقى الأطفال رعاية طبية متقدمة في مستشفيات أردنية حكومية وخاصة، بإشراف فرق متخصصة قادرة على التعامل مع حالات معقدة نشأت في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الصحي في غزة.

الإطار السياسي لهذه المبادرة يكتسب أهمية خاصة، إذ جاء الإعلان عنها بتوجيهات ملكية خلال لقاء جمع جلالة الملك عبدالله الثاني بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض، في فترة مفصلية كانت تتطلب إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو الكلفة الإنسانية للحرب، وهو ما جعل هذه المبادرة، بمثابة إدخال البعد الإنساني إلى صلب النقاش السياسي الدولي، وتأكيد أن حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، يجب أن تكون أولوية غير قابلة للتأجيل.

وتتعمق دلالات المبادرة حين ينظر إليها ضمن منظومة أوسع من الجهود الأردنية التي تشمل المستشفيات الميدانية في غزة التي واصلت تقديم الرعاية في ظل ظروف بالغة القسوة، إضافة إلى الجسرين البري والجوي اللذين وفرا إمدادات مستمرة، ومبادرات نوعية مثل «استعادة الأمل» لتركيب الأطراف الاصطناعية، فيما يعكس التنوع والالتزام لكل هذه الأدوات نهجا مؤسسيا يقوم على تعدد المسارات وتكاملها، بحيث لا يترك أي فراغ يمكن أن يزيد من معاناة السكان.

وتكشف آلية إعادة الأطفال إلى غزة بعد استكمال علاجهم عن إدارة دقيقة للموارد والقدرة الاستيعابية، بما يضمن استدامة العملية واستقبال دفعات جديدة دون إبطاء، في حين يعكس البعد التنظيمي فهما عميقا لطبيعة الأزمة، حيث تتطلب الاستجابة توازنا بين الواجب الإنساني والقدرة التشغيلية، في سياق تتسارع فيه الاحتياجات وتتسع فجوات الاستجابة الدولية.

في المحصلة، يطرح الممر الطبي الأردني - غزة معادلة مختلفة في التعامل مع الأزمات، معادلة تجعل من الإنسان مركزا للفعل السياسي، وتعيد الاعتبار لفكرة أن الدولة القادرة هي تلك التي تترجم قيمها إلى سياسات ملموسة، وفي ذات الوقت تضع هذه التجربة أمام الإقليم والعالم سؤالا مباشرا حول حدود المسؤولية وإمكانيات المشاركة بالجهود الإنسانية حين تتطلب صعوبة الأوضاع ومرارة الواقع على الارض ذلك الفعل، وتدعو إلى الانتقال من موقع المراقبة إلى موقع المشاركة الفاعلة، عبر دعم المبادرات الإنسانية وتوسيعها، والعمل على بناء استجابة جماعية تليق بحجم المأساة وتستجيب لنداء الحياة. ــ الراي

مواضيع قد تهمك