رومان حداد : حالة اللا حرب-اللا سلم تهدد دول المنطقة..فلنذهب إلى واشنطن
في الشرق الأوسط، اعتدنا على الحرب، التي لم تعد حدثاً مفاجئاً أو طارئاً، بل صارت جزءاً من حياتنا اليومية بصورة مستمرة، ولكن ما يقلقني هو انتقالنا من مرحلة الحرب إلى مرحلة من مراحل اللا يقين المتقدمة، والتي أنتجتها حالة اللا حرب واللا سلم بين الولايات المتحدة وإيران، بعد حرب الأربعين يوماً، فنحن لا نعلم إن كان الطرفان سيتواصلان ويتوافقان أم ستستمر حالة اللا تفاوض أم ستعود الحرب من جديد.
ما يثير القلق في هذه الحالة هو أنها غير محددة زمانياً، ولا تبدو أنها ذاهبة لتسوية نهائية في المنطقة، لتخلق بيئة تعزز استمرار وجود اشتباكات مسلحة أقل من حرب أو معركة وأعلى من حالة توتر منخفض الشدة، بصورة تعيد ترتيب أجندة المنطقة على إيقاع غير مضبوط، ما يدخل المنطقة في حالة مزاجية فوضوية دون وجود فوضى فعلياً.
هذه الحالة يمكن اعتبارها كمحفز دائم للصراع، وهي نتاج تداخل عدة عناصر في المعادلة الناظمة لهذه الحالة، فواشنطن لا تريد العودة إلى حرب شاملة ستكون مكلفة مادياً وسياسياً ومعنوياً، وطهران لا تستطيع العودة للحرب خشية أن تؤدي إلى انهيار كامل للنظام، مع بقاء التحفز حاضراً لدى الطرفين، وهو ما ينتج حالة جديدة سياسياً، وتشهدها منطقتنا للمرة الأولى، وهي ما يمكن تسميتها بحالة (توازن الإرباك)، وهي حالة لا تقدم الحسم لكنها تمنع الاستقرار، في ظل هذا التوازن.
استقرار هذه الحالة في المنطقة سينتح مجموعة من الحروب الصغيرة بلا أهداف نهائية واضحة، فلا نصر يُنجز لطرف، ولا هزيمة يتم الإقرار بها، بل جولات مستمرة تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة في حركة مستمرة داخل حلقة مغلقة وشيطانية.
المشكلة الأعمق أن هذا النمط يُعيد تعريف معنى الحرب في الوعي الجمعي، ومع تكرار أحداث إقليمية تؤكد هذه الحالة، يتكيف الأفراد والمؤسسات مع حالة "اللا يقين" بوصفها القاعدة وليست الاستثناء، ما يؤدي إلى تآكل قدرة المؤسسات والأفراد على التخطيط طويل المدى، وبالتالي تتراجع الاستثمارات في المستقبل لصالح إدارة المخاطر التي تفرضها الظروف الآنية.
استقرار هذه الحالة في المنطقة سيضرب الدول في مقتل، فالدولة، بطبيعتها، تقوم على وعد الاستقرار وتقديم أفق للمواطن، لكن في بيئة حرب دائمة، تتحول الأولويات نحو الأمن وإدارة الأزمات، وتتآكل الموارد المخصصة للتنمية في كل دولة، ولن تعود الدولة قادرة على الوفاء بـ"المستقبل الموعود"، بل تستنزفها إدارة "الحاضر المتوتر"، وهو ما يتيح نمو شبكات غير رسمية، عبر اقتصاد الظل وفاعلين محليين، وفي الدولة الأقل استقراراً ستظهر جماعات مسلحة لتملأ الفراغ، ما يفتح الباب تدريجياً أمام تآكل نموذج الدولة لصالح أنماط أقرب إلى التحضير للفوضى.
استمرار هذه الحالة يخدم القوى الكبرى، التي ترى أن مثل هذا الصراع يمكن التحكم بدرجته وتكلفته قابلة للتحمل والتوزيع، ويحقق لها نفوذاً يمكن الحفاظ عليه دون التزام بحل نهائي، ولكن الكلفة الحقيقية لهذا الاستقرار الهش تدفعه دول المنطقة على شكل ضرب قدرة مجتمعاتها على النهوض وانخفاض ملحوظ في فرص التنمية وأثر ملموس على تماسك الدول نفسها.
أمام هذا المشهد البائس والمقلق، تبدو الحاجة ملحة لتحرك عربي، بحيث لا نكتفي بالتكيف مع بيئة اللا يقين، بل العمل على تغيير قواعدها، وهو ما يتطلب بلورة موقف عربي موحد، لا يقوم على ردود الأفعال، بل على تصور استراتيجي واضح يربط بين الأمن والتنمية، بحيث يجب أن يتحول هذا الموقف إلى قوة ضغط دبلوماسية على واشنطن، ليس من باب المواجهة، بل من باب الشراكة، فالاستقرار الإقليمي منفعة مشتركة للطرفين العربي والأميركي، ولتحقيقه يتطلب خطة واضحة لإنهاء الصراع، وليس إدارة مفتوحة للصراع.