الأخبار

د. دانيلا عدنان القرعان : في يوم العمال العالمي.. كل عام وحقوقهم بخير

د. دانيلا عدنان القرعان : في يوم العمال العالمي.. كل عام وحقوقهم بخير
أخبارنا :  

في الأول من أيار، لا يمرّ يوم عادي على الذاكرة الإنسانية، إنه يوم وُلد من عرقٍ ودم، لا من خطاباتٍ منمّقة، يوم خرج فيه نصف مليون عامل في شيكاغو عام 1886 لا ليحتفلوا، بل ليصرخوا: كفى، كفى استنزافاً للإنسان، كفى تحويله إلى ترسٍ في آلة لا ترحم، ومن تلك الصرخة وُلد مطلب بسيط في ظاهره، عظيم في جوهره: ثماني ساعات للعمل، ثمان للنوم، وثمان للحياة، وهذا الشعار لم يكن مجرد تقسيمٍ للوقت، بل كان إعلاناً عن ولادة الإنسان من جديد، إنسانٍ يرفض أن يُختصر في بطاقة دوام، أو يُقاس إنتاجه بعدد الساعات التي يُسحق فيها؟ ومن هناك، عبرت الفكرة المحيطات، وتلقفها العالم، حتى تبنّاها المعسكر الشرقي وجعلها جزءاً من عقيدته، قبل أن تتحول إلى مناسبة عالمية اسمها عيد العمال.

لكن، وهنا المفارقة التي تلسع أكثر مما تُضحك: في يوم العمال، يغيب العمال أو يُغيَّبوا بينما المسؤولون يحتفلون ويلقون الخطب ويتبادلون التهاني، بينما العامل الحقيقي إمّا على رأس عمله، أو ينتظر فرصة عمل، أو يعدّ نقوده القليلة فرحاً بيوم إضافي قد يسد به رمق عائلته، كأن العيد صار لغير أهله، وكأن من صنعوه لم يُدعوا إليه.

في الأردن، يأخذ اليوم طابعاً آخر، يكاد يكون اجتماعياً أكثر منه عمالياً، إنه إيذان بقدوم الصيف، تنطلق النزهات بروائح الشواء وضحك الأطفال وهم يطاردون المثلجات، حتى البيوت تستعد، وكأنها تدخل موسماً جديداً من «التعزيل»، جميل هذا المشهد، دافئ لكنه يخفي في طياته سؤالاً قاسياً: أين العامل من كل هذا؟ وأين قضاياه؟.

عمال هذا الوطن، وكل وطن، لا يريدون المستحيل. لا يطلبون معجزة، يريدون ما هو أبسط من الشعارات: كرامة لا تُمس، أجر يُدفع في موعده، وعدالة لا تُؤجل، وهذا، قبل أن يكون مطلباً نقابياً هو نداء أخلاقي وإنساني، سبق أن أقرّه ديننا قبل قرون، حين جعل إعطاء الأجير حقه واجباً لا يحتمل المماطلة.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف «العامل» ليس فقط من يحمل معولاً أو يقف خلف آلة، بل كل من يسعى، كل من ينتظر فرصة، كل من أنهكته البطالة، أو أرهقه البحث عن مكانٍ في هذا العالم القاسي. هؤلاء جميعاً عمّال حتى لو لم يعترف بهم أحد.

عيد العمال ليس يوماً للتهنئة بقدر ما هو يوم للمحاسبة، ليس مناسبة للزينة بل مرآة نرى فيها كم اقتربنا من العدالة وكم ابتعدنا عنها. وفي الختام، إن كان لا بد من التهنئة لتكن صادقة لا شكلية، كل عام وعمال الوطن، رجالًا ونساءً، بخير، لكن الأهم، كل عام وحقوقهم بخير. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك