د. محمد صبحي العايدي : الهوية والعرق (1): من شجرة النسب إلى عقد المواطنة
إن من أخطر ما يهدد بناء الدولة الحديثة هو الخلط بين العرق والهوية، حتى صار الكثير من الناس يظن أن الانتماء يورَّث ولا يُكتسب، وهذه من المآسي في التاريخ الإنساني. والمصيبة الكبرى عندما يتحول العرق من وصف طبيعي إلى امتياز سياسي، تكون البداية الحقيقية لكل أشكال الإقصاء والاستعلاء.
الإنسان لا يختار عرقه، ولا لون بشرته، ولا مسقط رأسه، وكل ما لا يقع تحت
الاختيار لا يصح أن يكون أساساً للتفاضل الإنساني والأخلاقي، ولهذا جاء
الدين لينقل المجتمعات من منطق العصبية الطبيعية إلى معيار الكرامة القيمية
والأخلاقية، فقال تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
فإذا كان العرق ليس اختياراً، فالهوية هي القرار الحضاري الذي يتسع للجميع.
فالدول لا تُبنى بالأنساب، بل تُبنى بالمعرفة، واللغة، والقيم، والذاكرة،
والمشروع المشترك. وقد تنبه العلماء إلى خطورة التفسير العرقي الجامد
للإنسان، حين تحدثوا عن اختلاف طبائع البشر، وأرجعوها إلى الحتمية
الطبيعية، أي تأثير البيئة والمناخ والغذاء وطبيعة الأرض. فالإنسان ابن
بيئته لا سجين عرق ثابت، وهذا الفهم يهدم أسطورة «النقاء العرقي» التي قامت
عليها مشاريع الاستعلاء الحديثة.
صحيح أن العصبية عند ابن خلدون قضية أساسية في استقرار الملك، لكنه لا يقصد
بها القرابة الدموية، بل يريد منها ثمرة النسب، أي اللحمة والولاء للدولة
أياً كان مصدره، حيث قال: «والنسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه هو في هذه
الوصلة والالتحام». فليس هناك نقاء دماء صافية، بل تداخل الأنساب وتشابكها
هو الظاهرة السائدة، وهذا يؤيد كلام الأنثروبولوجيين المعاصرين من أن العرق
مصطلح اجتماعي، يلجأ إليه الناس لحماية مصالحهم، فإذا ساد القانون اعتد
الناس به. ولعل أقرب وصف لهذه اللحمة التي تحدث عنها ابن خلدون هي المواطنة
الحديثة، إذ بها يحصل الوصلة والالتحام بين أبناء المجتمع على أسس
القانون.
فالناس يتغيرون، والثقافات تتداخل، وما نحن عليه اليوم ليس ما كان عليه
أجدادنا قبل خمسين أو مئة عام، فكيف بمن يفصل عن أسلافه قروناً طويلة؟ ولذا
فالبحث عن هوية ثابتة داخل الدم هو بحث عن وهم، لأن الحياة نفسها قائمة
على التحول، لا الجمود.صحيح أن حفظ الأنساب من مقاصد الشريعة، ولكن لا
يُراد منه بناء طبقة عرقية، أو إعطاء امتياز سياسي، بل المقصود حفظ الحقوق
والواجبات المترتبة على النسب كالأبوة والبنوة والأرحام وغيرها، من أجل
المحافظة على قوة النسيج الاجتماعي والأخلاقي، لا صناعة نقاء عرقي.
والكارثة الأكبر حين يتحول العرق من وصف طبيعي إلى أيديولوجيا سياسية،
وتتحول الدولة من وطن إلى جهاز فحص بيولوجي. هنا يتغير مفهوم الإنسان
بالكلية، حيث يصبح سلالة، بدل أن يكون عنواناً للكرامة والنهوض. فالنازية
عند هتلر هي وهم النقاء العرقي، والصهيونية المعاصرة تقوم على توهم الصفاء
العرقي، وتحويله إلى سند للحق السياسي المطلق، وكل مشروع عرقي يحمل في
طياته بذرة العنف، لأنه لا يعترف بالمواطنة بل بالاصطفاء.
وحين تفشل النخب في بناء دولة عادلة تعود دائماً إلى العرق والقبيلة، لأن
إدارة الانقسام أسهل من بناء العدالة. فالعرق ليس دفاعاً عن الهوية، بل
هروب من الاستحقاق السياسي، ومحاولة لتعويض غياب المواطنة باستدعاء الدم،
واستبدال القانون بالانتماء العرقي.وفي الحالة الأردنية، المجتمع لم يتشكل
على النقاء العرقي، بل على التنوع التاريخي الواسع، من أصول عشائرية ممتدة،
وأصول فلسطينية، ومن الشركس والشيشان والكرد والأرمن وغيرهم. هذا التنوع
لا يجوز أن يُفهم على أنه أزمة في ذاته، بل هو مصدر ثراء اجتماعي، وقوة
وطنية إذا أُحسن فهمه ضمن إطار المواطنة الجامعة، لا ضمن منطق الفرز العرقي
الذي يحول المجتمع إلى كيانات متجاورة، تتعايش بحذر، وتتصارع عند كل أزمة.
وهنا تُضرب الدولة الوطنية في عمقها، لأن الدول لا تقوم على سؤال الأصل،
بل على سؤال: ماذا تقدم لهذا الوطن؟
فالمواطنة هي الحل الوحيد لهذه الأزمة، لأنها تنقل الناس من رابطة الدم إلى
رابطة العقد الاجتماعي، ومن سؤال الأصل إلى سؤال المسؤولية. ولهذا فإن
الخطاب العنصري مهما تلحف بشعارات الدفاع عن الهوية، هو في حقيقته خطاب
مضاد للدولة، لأنه يبني خوفاً واصطفافاً لا انتماء وشراكة، ويفتح باباً
للتشظي الداخلي بدل أن يحمي الوطن.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد