الأخبار

رنا حداد : الكاميرات لا تُصلح الضمير لكنها تذكّره

رنا حداد : الكاميرات لا تُصلح الضمير لكنها تذكّره
أخبارنا :  

منذ اللحظة التي بدأ فيها تفعيل عمل كاميرات المراقبة في شوارع العاصمة والمحافظات لترصد المخالفات، تغيّر إيقاع الحديث اليومي بين الناس وعلى مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا.

لم يعد الأمر مجرّد خبر تقني عابر، بل تحوّل إلى مادة دسمة للنقاش على منصات التواصل، بين من يرى فيها خطوة ضرورية لضبط الفوضى، ومن يتعامل معها كعينٍ ثقيلة تلاحقه في تفاصيل يومه.

الحقيقة أن كاميرات الشوارع لم تأتِ من فراغ. هي جزء من مشهد حضري يتطوّر بسرعة، حيث تسعى المدن إلى أن تصبح أكثر أمانًا وتنظيمًا وذكاءً. على التقاطعات، عند الإشارات، وفي الطرق العامة، تقف هذه العدسات كحارس صامت، لا يتعب ولا يغفل، يوثّق اللحظة كما هي: مخالفة، حادث، أو حتى التزام نادر يستحق التقدير.

ومن زاوية واقعية، لا يمكن إنكار أثرها الإيجابي. فوجود الكاميرا بحد ذاته يغيّر السلوك، حتى لو مؤقتًا. السائق الذي كان يضغط على دواسة الوقود بلا اكتراث، يخفّف سرعته. ومن كان يتجاهل حزام الأمان، يعيد التفكير. إنها ليست مجرد أداة رصد، بل أداة ردع نفسية أيضًا، تخلق نوعًا من «الرقابة الذاتية» لدى كثيرين.

لكن، في المقابل، يظهر السؤال الأهم: هل يكفي أن نُراقَب لنلتزم؟

وهنا تبدأ المساحة الرمادية. فالاعتماد على الكاميرات وحدها قد يُنتج التزامًا مشروطًا، مرتبطًا بالخوف من المخالفة لا بقناعة داخلية. أي أننا قد نحصل على سلوك «مؤقت» مثل الابتسامة أمام كاميرا التصوير لوهلة، ثم العودة إلى العبوس، مجددًا. التزام يختفي بمجرد غياب الرقابة.

وهذا ما يفسّر التباين الواضح في سلوكيات السائقين؛ من وجهة نظري كسائقة أعتقد أن ما يُقدّر بنحو 60 إلى 70% من السائقين يلتزمون بالقوانين الأساسية، لكن تبقى نسبة ليست قليلة، قد تصل إلى 30%، تتجاوز الأنظمة، وتشكّل خطرًا حقيقيًا على حياتنا كسائقين، ومستخدمين للطرقات.

الأمر هنا لا يتعلق بالأرقام بقدر ما يتعلق بثقافة كاملة. ثقافة قيادة تبدأ من فكرة بسيطة: الطريق ليس مساحة فردية، بل مساحة مشتركة، وكل قرار متهوّر قد ينعكس على حياة الآخرين.

وفي خضم هذا النقاش، تبرز قضية الخصوصية كأحد أبرز التحديات. فمع تطوّر تقنيات المراقبة، من التعرف على الوجوه إلى تتبّع الحركة، يصبح من الضروري وجود ضوابط قانونية واضحة تحمي الأفراد من أي استخدام مفرط أو غير مسؤول لهذه التكنولوجيا. فالأمان لا يجب أن يأتي على حساب الشعور بالحرية، بل بالتوازن بينهما.

لكن ما يغيب أحيانًا وسط هذا الجدل، هو أن الكاميرات، رغم أهميتها، ليست سوى جزء من الحل. الجزء الأكبر يبدأ من مكان آخر تمامًا. يبدأ من البيت، حين يتعلّم الطفل أن احترام القانون ليس خوفًا من العقاب، بل احترامًا للحياة. ويمرّ عبر الإعلام، الذي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يساهم في تشكيل الوعي. ويمتد إلى المؤسسات الدينية، التي تعزّز فكرة أن الالتزام ليس مجرد نظام، بل قيمة أخلاقية وواجب اذ أن الحديث هنا عن أرواح بشر.

عندما تتكامل هذه الدوائر، يصبح الالتزام سلوكًا طبيعيًا، لا يحتاج إلى كاميرا لتثبيته.

بالمحصلة، يمكن القول إن كاميرات الشوارع نجحت في أن تضعنا أمام المرآة. هي لا تغيّرنا بالكامل، لكنها تكشفنا: كيف نقود، كيف نلتزم، وكيف نتعامل مع القوانين عندما نظن أن لا أحد يرانا. والسؤال الحقيقي الذي يبقى: هل نحتاج دائمًا إلى من يراقبنا أم يمكننا، ولو مرة، أن نختار الالتزام لأننا نؤمن به ؟ ــ الدستور

مواضيع قد تهمك