نادية ابراهيم نوري تكتب : الوطن
بقلم: نادية إبراهيم نوري
فتحتُ شرفة غرفتي على أصواتٍ صاخبة، فإذا بي أمام مشهدٍ أصابني بحزنٍ شديد؛ إذ شاهدتُ صقرًا يهاجم عشَّ حمامةٍ بنته فوق المكيّف، ظنّت أنه مكانٌ آمن بعيد عن الصقور. لكن حظها العاثر جعله يلمح عشّها، فهجم عليه، وكسره، وهدمه، وافترس صغارها، وتناثر بعض بيضها الذي لم يفقس بعد على أرضية شرفتي، وكذلك أغصان عشّها التي جمعتها بمنقارها ذهابًا وإيابًا، وفرشته بريشٍ ناعم بكل حنان. لكن سعادتها المؤقتة تلاشت أمام جوع الصقر الجشع.
وأنا أتأمل سقوط العش وتناثر الأغصان والبيض والريش، ورأيتُ جهادها بجسدها الضئيل أمام جبروت الصقر ومخالبه ومنقاره، وعدم استسلامها حتى لم يُبقِ ولم يذر شيئًا من العش الصغير، ولا الفراخ ولا البيض. ثم ابتعد محلقًا في السماء، منتشيًا شبعانًا، عائدًا إلى عشه، ربما ليطعم صغاره من بقايا تلك الحمامة المسكينة.
دخلتُ شقتي، والحزن يعتصر قلبي. طالما قرأتُ عن قسوة الطبيعة، لكنها المرة الأولى التي أشاهدها بعيني. أخذتُ أتأمل شقتي، وأسترجع أيام شرائنا لها، وفرحتي بها، وكيف عملنا ديكوراتها، وكيف اخترنا كل قطعة أثاث وكل لوحة وكل زهرية. تذكرتُ فرحتنا آنذاك، ولم أتخيل يومًا أن يُسلب مني هذا المكان، أو أن أُجبر على مغادرته.
دعوتُ الله، ودموعي تسبقني، ألا أخسره ما حييت. وتذكرتُ من خسروا بيوتهم بسبب جشع مقاول، أو تهدّم بيوتهم أمام أعينهم بسبب ضميرٍ ميت، أو اغتصابٍ من محتل.
كم هو عزيزٌ بيت الإنسان، وكم يتعب ويضحي حتى يمتلك مأواه. كم من سنواتٍ يقضيها في الاجتهاد وتوفير المال، ويضحي بكثيرٍ من احتياجاته ليحقق حلمه في العيش الكريم والاستقرار؛ لأن بيت الإنسان هو وطنه الصغير.
أدركتُ كيف يضحي الجندي من أجل تراب وطنه. وتذكرتُ جملة طالما رددناها: أن الإنسان مهما سافر وتنقّل بين البلدان، ومهما شعر بالسعادة، تبقى لحظة عودته إلى وطنه وبيته هي السعادة الحقيقية.
فالوطن ليس ما يوفر لك عيشة كريمة فحسب، بل هو وجودك وكيانك، وذكرياتك، ووجوه أحبتك. هو ولادتك وولادة أبنائك، وهو الزرع الذي غرسته بيديك، وانحنى ظهرك وأنت تسقيه، حتى ترى ثماره وتستظل بظله.
الوطن حياتك، وذكرياتك التي ترويها لأبنائك وأحفادك.
ولا عجب فيمن يقدّم دمه فداءً لوطنه، لكن العجب كل العجب ممن يأكل من خير بلده، ويكون انتماؤه لغيره، مهما كانت الظروف أو التحديات. يبقى الوطن أغلى بقعة على هذه الأرض، ويبقى الأهل الأقرب إلى القلب.
كما قال الشاعر:
"بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرامُ”
حفظ الله أوطاننا وأهلنا وأحبتنا جميعًا