فارس الحباشنة : ترامب وبابا الفاتيكان
الرئيس الاميركي ترامب أهان البابا لاوون الرابع عشر، وهو بابا البشرية جمعاء لا بابا الكاثوليك فقط.
ورد عليه الحبر الاعظم، حتى أسم الرب المقدس اله الحياة، يزج في خطابات الموت، وكفى عبادة للذات والمال، وكفى أستعراضا للقوة وكفى حربا.
توتر غير مسبوق بين الرئيس الامريكي والكرسي الرسولي. وانتقادات البابا واضحة من حرب إيران، وخصوصا خطاب ترامب وتهديده بتدمير حضارة كاملة، وما وصفه البابا بانه كلام غير مقبول اخلاقيا ويتعارض مع مبادىء وقيم السلام والقانون الدولي.
وسجال البيت الابيض والفاتيكان إنتقل الى الغرف المغلقة. ونشرت صحف عن اجتماع مغلق في كانون الثاني الماضي بين مسؤولين في الادارة الامريكية ومبعوث الكرسي الرسولي في واشنطن، حيث نقل مسؤولون امريكيون تحذيرات الى الفاتيكان والبابا واستمراره في انتقاد السياسة العسكرية الامريكية.
وظهر الصراع علنا على منصات التواصل الاجتماعي عبر تغريدات لترامب، ودعوة نائبه جي دي فانس البابا الى عدم التدخل في شؤون أمريكا السياسية والعسكرية.
فهل موقف البابا سوف يعري ويفكك الاسس الاخلاقية للمؤسسة السياسية والعسكرية الامريكية ؟
للدين دور وقوة لامرئية في السياسة.
البابا يوحنا بولس الثاني، في الحرب الباردة بين القطبين الامريكي والاتحاد السوفييي لعب دورا تمثل في نزع الشرعية الاخلاقية عن الانظمة الاشتراكية التابعة لحلف وارسو والاتحاد السوفيتي.
وبعض المؤرخين يميلون الى سردية دور البابا يوحنا الثاني في سقوط الشيوعية.
والبابا يوحنا الثاني، هو أول بابا غير أيطالي منذ أكثر من اربعة قرون، وينحدر من دولة خاضعة للحكم الشيوعي، هي بولندا.
وحمل قرار انتخاب بابا من أصول اوروبا الشرقية كسرا لاحتكار الغرب الرأسمالي لقيادة الكنسية، وفتح الباب أمام مقاربة لتجربة العيش تحت الشيوعية.
وجاءت زيارة البابا يوحنا الثاني الى مسقط رأسه في بولندا عام 1979 نقطة تحول نفسية واجتماعية حاسمة ضمن تطورات لاحقة في انهيار الاتحاد السوفيني والمنظومة الشيوعية.
لم يهاجم البابا في خطبه الشيوعية ويدعو الى اسقاط انظمتها السياسية، ولكنه حرص التركيز على كرامة الانسان والضمير، والذاكرة الوطنية.
ومن زيارة البابا ظهرت في بولندا حركة تضامن بعد عام واحد. وكانت البداية لتفكيك الاحساس الجمعي بالعجز والخوف الذي يشكل أحد ركائز الحكم الشيوعي.
وهكذا، تحولت الشيوعية في الوعي الجمعي من نظام لا بديل عنه، وحتمي الى نظام يحتاج الى مبررات اخلاقية، ولا يملكها.
ومن هنا بدأ مسار التآكل والانهيار في بولندا والمنظومة الشيوعية.
وفي وصف البابا لاوون الرابع عشر لحرب ايران بانها غير عادلة، يستند الى تقاليد راسخة في الفكر المسيحي، ومستمدة من القديس توما واوغسطين حول مبادىء الحرب العادلة، وهي شروط الدفاع عن النفس والتناسب واحترام المدنيين والاطار القانوني الدولي.
رغم اختلاف السياقين ما بين البابا يوحنا الثاني والبابا لاوون الرابع عشر والاختلاف السياسي لكلا الوضعيتين، غير أن جوهر الموقف البابوي، هو السؤال عن الأساس الاخلاقي الذي تبرر به الدولة حربها.
ترامب مرعوب من تصريحات البابا.. ويخشى أن تتحول لنقد اخلاقي وروحاني الى مشاريع حروبه في العالم.. ومحاولة ترامب استخدام لغة عنيفة ضد البابا ووصفه بانه خصم وعدو لامريكا لا سلطة اخلاقية كونية.
يدرك ترامب وفريق ادارته أن نزع الشرعية الاخلاقية عن المشروع السياسي قد يكون تاريخيا أخطر من المواجهة السياسية المباشرة.