فراس النعسان : ما وراء المفاوضات
في الظاهر، تبدو محادثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران كأنها محاولة جديدة لكسر الجمود. لكن القراءة الأعمق تكشف شيئاً مختلفاً، فهذه ليست مفاوضات للوصول إلى حل، بل مفاوضات لإدارة التوتر ومنع الانفجار، ولو مؤقتاً.
الخطأ الشائع هو التعامل مع هذه الجولة وكأنها امتداد طبيعي لمسار اتفاق لوقف الحرب بشكل شامل، والواقع أن هذا المسار ليس مطروحاً من كلا الجانين، وما يجري اليوم هو بديل غير مُعلن: تفاهمات مرنة، مؤقتة، وقابلة للانهيار في أي لحظة. لا أحد يسعى لاتفاق شامل، لأن كلفته السياسية أعلى من قدرة الطرفين على تحملها داخلياً.
وهنا، لا بد من التسليم بأن الولايات المتحدة لا تفاوض من موقع «حل أزمة»، بل من موقع «فرض إيقاع»، واستخدام الضغط العسكري لن يكون مجرد أداة دعم للمفاوضات، بل هو جوهرها. الرسالة واضحة: إما تنازلات سريعة، أو تصعيد محسوب. لكن هذا النهج يحمل تناقضاً داخلياً؛ فهو يخلق استعجالاً لا يسمح ببناء ثقة، ويضع الطرف الآخر في زاوية تدفعه للمراوغة بدل الاستجابة ، وهو ما يجيب عن الأسئلة التي يطرحها كثيرون اليوم حول ردود طهران خلال الساعات التي تسبق جولة إسلام أباد الجديدة.
في المقابل، إيران لا تدخل هذه المفاوضات بهدف إغلاق الملف، بل لشراء الوقت. طهران تدرك أن الزمن يعمل لصالحها نسبياً: كلما طال أمد التفاوض، زادت قدرتها على تثبيت وقائع جديدة، سواء في برنامجها النووي أو في نفوذها الإقليمي. لذلك، هي تميل إلى تقديم تنازلات شكلية، تكفي لمنع الانفجار، لكنها لا تقترب من جوهر مطالب واشنطن.
المتغير الأهم الذي لا يُقال بصراحة هو أن مركز الصراع تحول. لم يعد السؤال: «كم نسبة التخصيب؟» بل أصبح: «من يسيطر على إيقاع المنطقة؟». هنا يظهر مضيق هرمز كعنوان حقيقي للصراع. السيطرة أو التأثير في هذا الممر لا تعني فقط ورقة ضغط اقتصادية، بل تعني القدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة في الخليج. وهذا ما يجعل أي اتفاق تقني حول النووي غير كافٍ بحد ذاته.
المفارقة أن الطرفين يدركان استحالة الحسم. واشنطن لا تريد حرباً مفتوحة بتكلفة غير مضمونة، وطهران لا تريد مواجهة مباشرة قد تهدد استقرارها الداخلي. لذلك، ما يجري هو «إدارة حافة الهاوية»، بمعنى الاقتراب من التصعيد دون السقوط فيه. وبذلك يمكن قراءة مفاوضات إسلام آباد على أنها ليست محاولة للخروج من الأزمة، بل وسيلة لإبقائها تحت السيطرة.
ما أتوقعه خلال الأيام المقبلة هو تطبيق السيناريو الأكثر واقعية وليس اتفاقاً كبيراً، بل سلسلة من التفاهمات الصغيرة، ما يشبه تهدئة مقابل تهدئة، وتنازلا محدودا مقابل تخفيف محدود. هذه الصيغة قد تبدو هشة، لكنها عملياً الأكثر قابلية للاستمرار في بيئة تفتقر للثقة.
في النهاية، من ينتظر اختراقاً حاسماً قد يقرأ المشهد بشكل خاطئ. ما يحدث ليس مفاوضات لإنهاء الصراع، بل لإدارته. والفرق بين الاثنين هو ما سيحدد شكل المرحلة القادمة، إما استقرار هش طويل، أو انفجار مؤجل، وبين هذين الاحتمالين هناك خاسرون كثيرون في المنطقة.