سارة طالب السهيل : عمّان قلبٌ يهمس لا مدينة
عمّان لا تأتيك دفعةً واحدة،
بل تتسلل إليك …
كما يتسرّب الضوء من بين أصابع الفجر،
كما تتسرّب رائحة القهوة من مطبخٍ دافئ
إلى قلبٍ لم يستيقظ بعد.
هي لا تناديك بصوتٍ عالٍ،
بل تهمس لك
تعال… هنا، ستزرع نفسك.
في عمّان،
لا تبحث عن الحب
ستجده في اتّساع صدرك وأنت تقف على أحد جبالها،
حيث الغروب لا ينتهي،
بل يذوب ببطءٍ
على اسطح الذهب،
المكلل بالورود،
كأن الشمس قرّرت أن تبقى قليلًا… لأجلك.
هنا، السماء قريبة،
قريبة بما يكفي
لتسمع دعاء أمٍّ يخرج من نافذة،
أو تنهيدة تعبٍ تتحوّل فجأةً إلى رضا.
وفي الصباح،
تستيقظ المدينة على إيقاعٍ لا يشبه المدن،
إيقاعٍ فيه دفء،
فيه بساطة،
فيه حياة تمشي على مهلٍ كي لا تُفلت منها التفاصيل.
أمٌّ تفتح الشباك،
تلمّ شعرها على عجل،
وترشّ الماء أمام البيت
كأنها لا تنظّف الطريق…
بل تهدّئ قلب النهار.
وفي زاويةٍ ما،
ينمو النعناع في أصيصٍ صغير،
كأن الأرض قرّرت أن تختصر نفسها
في حفنة خضراء،
تقول لك:
كل هذا الجمال… يمكن أن يكون بسيطًا.
وعلى الجدران،
تتمدّد "المجنونة" بلا خوف،
تضحك بلونها،
تفيض،
تخرج عن النظام
لكنها لا تخرج عن الجمال.
كأنها عمّان نفسها…
حين تُحب،
تفعل ذلك بلا حساب.
وفي المساء،
لا تحتاج إلى مناسبةٍ لتفرح،
يكفي أن تجلس مع من تحب،
أن تمرّ يدٌ على كتفك دون سبب،
أن يُقدَّم لك فنجان قهوة
وكأنه اعترافٌ صامت
أنت لست وحدك.
في عمّان،
العائلة ليست فكرة تُقال،
بل ظهرٌ يسندك حين تميل،
وصوتٌ يعرف تعبك من نبرتك،
وبابٌ لا يُغلق… مهما تأخّرت
في عمّان،
الوفاء ليس كلمة…
بل فعل نشامى.
شيءٌ تلمسه في كل حركة
فتصبح لا يمكنك العيش بدونه.
البيوت هنا لا تُغلق أبوابها تمامًا،
تترك دائمًا مساحةً للودّ،
لصوت ضحكةٍ عابرة،
لجارٍ يدخل دون موعد
ويخرج وقد ترك قلبه في المكان.
والشوارع…
لا تأخذك بعيدًا،
بل تعيدك،
تعيدك إلى لحظاتك الصغيرة
التي كدتَ تنساها:
خطواتك الأولى،
أحلامك التي لم تقلها،
وأشياءك التي لم تكن تعرف أنها تعني لك كل هذا.
عمّان لا تُدهشك لتأخذك،
بل تُطمئنك لتبقيك.
هي لا تقول لك انظر إليّ،
بل تقول:
انظر كيف صرتَ حين أحببتني.
وفي النهاية،
حين تغادرها (ولو لوقت قصير)
لا تشعر أنك خرجت من مدينة،
بل كأنك ابتعدت عن شيءٍ منك،
شيءٍ سيظلّ يناديك
بصوتٍ خافت…
صوت يشبه الدعاء،
ويشبه الحنين،
ويشبه وجه أمك
وحضن جدتك
وسند والدك
ويشبه عمّان.