د. رعد محمود التل :هرمز.. الاقتصاد على حافة الترقب الدائم
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعبر منه ناقلات النفط والغاز، بل أصبح خلال الأسابيع الأخيرة عنواناً لأكبر اختبار يواجه الاقتصاد العالمي منذ سنوات. فإعادة إغلاق المضيق للمرة الثانية خلال أقل من شهرين لم تخلق فقط أزمة في أسواق الطاقة، بل دفعت العالم كله إلى الدخول في مرحلة جديدة عنوانها عدم اليقين المزمن.
فخلال العقود الماضية كان الاقتصاد العالمي يفترض أن الأزمات الجيوسياسية مؤقتة، وأن الأسواق قادرة دائماً على العودة بسرعة إلى وضعها الطبيعي. لكن ما يحدث اليوم مختلف. فالمستثمرون والشركات والحكومات باتوا يتصرفون على أساس أن الخطر لم يعد استثنائياً، بل أصبح جزءاً دائماً من البيئة الاقتصادية العالمية.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، أي ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل يومياً، إضافة إلى نحو 25 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب فيه لا يبقى محصوراً في منطقة الخليج، بل ينتقل مباشرة إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة. لذلك فإن أي اضطراب فيه لا يبقى محصوراً في منطقة الخليج، بل ينتقل مباشرة إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة. ومع كل يوم يبقى فيه المضيق مغلقاً أو خاضعاً لقيود مشددة، ترتفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين، وتتوسع دائرة الخسائر لتشمل قطاعات الصناعة والغذاء والأدوية والخدمات.
الأسواق لم تعد تخشى فقط توقف الإمدادات، بل أصبحت تخشى تكرار الأزمة نفسها. ولهذا ظهرت ما يمكن تسميته "علاوة الخطر الدائمة". أي أن أسعار النفط والشحن والتأمين لم تعد ترتفع فقط أثناء الإغلاق، بل تبقى مرتفعة حتى بعد إعادة الفتح، لأن الجميع يتوقع أن الأزمة قد تتكرر في أي لحظة.
هذه العلاوة الجديدة بدأت تغير طريقة عمل الاقتصاد العالمي. شركات الطيران أصبحت أكثر حذراً في خططها التشغيلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود. المصانع الكبرى بدأت تؤجل التوسع والاستثمار. البنوك المركزية أصبحت أقل ميلاً إلى خفض أسعار الفائدة، لأنها تخشى أن يؤدي ارتفاع الطاقة إلى موجة تضخم جديدة. حتى أسواق المال لم تعد تتفاعل فقط مع نتائج الشركات أو المؤشرات الاقتصادية، بل أصبحت شديدة الحساسية لأي تصريح سياسي أو تطور عسكري في الخليج.
الكلفة الاقتصادية التي تراكمت خلال نحو خمسين يوماً أصبحت ضخمة وغير مسبوقة. فالتقديرات تشير إلى خروج أكثر من 500 مليون برميل نفط ومكثفات من السوق، بقيمة تتجاوز 50 مليار دولار، بينما ارتفعت أسعار النفط في بعض الفترات بأكثر من 30 بالمئة. كما قفزت أقساط التأمين البحري على السفن العابرة للخليج بما يتراوح بين 200 و400 بالمئة، وارتفعت كلفة الشحن على بعض الخطوط البحرية بنسبة وصلت إلى 40 بالمئة. فالعالم خسر مئات ملايين البراميل من النفط والغاز، بينما ارتفعت أسعار الشحن البحري والتأمين إلى مستويات قياسية. لكن الخسارة الحقيقية لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تراجع النمو العالمي نفسه. فكل دولار إضافي في أسعار النفط يعني ارتفاعاً في كلفة الإنتاج والنقل والغذاء، ما يؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك والاستثمار معاً.
ولهذا بدأت مؤسسات مالية دولية تحذر من أن الاقتصاد العالمي قد يدخل في مرحلة "تباطؤ تضخمي". أي نمو ضعيف مصحوب بارتفاع في الأسعار. وهذا أخطر سيناريو يمكن أن تواجهه الحكومات، لأن أدوات السياسة الاقتصادية تصبح محدودة. فإذا رفعت الفائدة لمواجهة التضخم، تراجع النمو أكثر. وإذا خفضت الفائدة لدعم الاقتصاد، ارتفعت الأسعار أكثر.
الأزمة الحالية كشفت أيضاً هشاشة الاقتصاد العربي، ولكن بصورة مختلفة بين الدول. الدول المنتجة للنفط تستفيد عادة من ارتفاع الأسعار، لكنها هذه المرة تواجه مشكلة أكبر، وهي صعوبة التصدير. فالعراق والكويت وقطر تعتمد بصورة شبه كاملة على مضيق هرمز. وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار لا يعوض خسارة القدرة على بيع النفط والغاز.
في المقابل، تبدو السعودية والإمارات في وضع أفضل نسبياً بسبب وجود خطوط أنابيب وموانئ بديلة على البحر الأحمر وخليج عمان. لكن حتى هذه البدائل لا تستطيع نقل كل الكميات، ما يعني أن الخطر ما زال قائماً.
أما الدول العربية المستوردة للطاقة، مثل الأردن ومصر ولبنان وتونس، فهي تواجه ضغوطاً مزدوجة. ففي الأردن مثلاً، كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يضيف عشرات الملايين من الدنانير إلى فاتورة الطاقة السنوية، بينما يرفع كلفة النقل والكهرباء والإنتاج الصناعي. وفي مصر، يضيف كل دولار واحد على سعر النفط مئات ملايين الجنيهات إلى عبء دعم الطاقة والموازنة. فمن جهة ترتفع فاتورة الطاقة، ومن جهة أخرى ترتفع أسعار الغذاء والنقل والكهرباء. لذلك فإن هذه الدول ستكون مضطرة خلال المرحلة المقبلة إلى زيادة مخزوناتها الاستراتيجية، وتسريع مشاريع الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر الاستيراد حتى لا تبقى رهينة لأي أزمة جديدة.