الأخبار

محمد حسن التل : حرب بلا هوية !!

محمد حسن التل : حرب بلا هوية !!
أخبارنا :  

الحرب الدائرة في المنطقة الآن ليست كالحروب التي اعتدنا عليها في صورها التقليدية فهي ليست فقط اشتباك مسلح تُحسم فيه المواجهات بالقوة، ولا يوجد بها خطوط تماس يمكن أن تجعل المراقب أن يتوقع نتائجها.

تجري هذه الحرب وتدار على أكثر من مستوى في آن واحد تدار في الميدان بذات الوقت يحتدم الصراع على طاولة المفاوضات، يتخلل هذا التصريحات المتضاربة التي تزيد الصورة ضبابية وربما فوضى!!

في هذه الحرب لم يعد مسار التفاوض منفصلًا عن الصراع في الجبهات العسكرية، فقد تحول إلى أحد أدواته المباشرة ولم يعد مرتبطا بهدنة وهو يجري تحت النار، ويسير بظلال تبادل التهديد بين الأطراف المتصارعة تحت ضغط التهديد، وأحيانًا على وقع التصعيد نفسه، حيث فقد التفاوض طابعه التقليدي كوسيلة لاحتواء النزاع، وغدا أداة لفرض الإيقاع، أو لشراء الوقت، أو حتى لإعادة تشكيل موازين القوى ، كأن الأطراف تتحدث بلسانين في الوقت ذاته أحدهما يدوّي في ساحات القتال، والآخر يساوم في الغرف المغلقة.

ولا يقلّ المشهد ارتباكًا على مستوى الخطاب العلني، فالتصريحات المتناقضة أصبحت ممارسة لأطراف الصراع،. فالحديث عن تقدم وشيك يقابله نفي قاطع، إشارات إلى تهدئة تتزامن مع تلويح بالتصعيد، وشروط تُطرح ثم تُسحب لتُستبدل بأخرى تعيد كل شيء إلى نقطة البداية ، لا يبدو هذا التباين دائمًا عفويًا، بل يحمل في طياته ربما حسابات متعددة مثل "إرباك الخصم "، جسّ نبض المواقف، التأثير على الرأي العام، أو تعزيز الأوراق التفاوضية دون تقديم تنازلات حقيقية"

في ظل هذه الفوضى في المواقف والتصريحات، يجد المراقب نفسه أمام مشهد يصعب فك شفرته، فالأسئلة تبقى مفتوحة.. هل ثمة انفراج في الأفق أم أننا على أبواب تصعيد جديد ..هل تعكس التصريحات نوايا فعلية أم أنها مجرد أدوات ضغط مرحلية ، ولا تقتصر حالة الترقب هذه على النخب، بل تمتد إلى إلى المواطن العادي في المنطقة، الذي يواجه إرهاقًا ذهنيًا وهو يحاول الإمساك بخيط واضح وسط هذا الضجيج"

تكشف طبيعة هذه الحرب عن تحوّل في طبيعة الحروب ، إذ لم تعد القوة العسكرية وحدها التي تحسم، بل دخلت على خطها أدوات أخرى لا تقل تأثيرًا مثل الإعلام، والرسائل السياسية المشفرة، والحرب النفسية .. والتصريح في زمن الحرب قد يؤدي وظيفة لا تقل أهمية عن تحرك عسكري.

إن التفاوض تحت الضغط أصبح حالة معتادة في هذه الحرب التي لم يعد أحد يفهم ما تخفيه خلف نيرانها وما هي الصفقة المنشودة من هذه الحرب لجميع الأطراف بعد أن استطاعت هذه الأطراف جعل الصورة ملتبسة لخارطة هذا الصراع..

في الظاهر يبدو التفاوض بين المتصارعين هشا ولا يوجد ثقة بينهم حتى بالحد الأدنى بعد أن تحول كساحة من ساحات الصراع لا كطريق للحل!!

في المجمل، نحن أمام حرب لا يجب تحليلها كمسارات ونتائج بما يجري على الأرض فقط، بل بما تتداخل فيها النوايا والأهداف وأدوات كل طرف، لذلك يصعب رسم صورة واضحة عنها بالمعايير التقليدية، وكما قيل إنها مواجهة تُدار بالعقل بقدر ملا تُدار بالقوة، وبالإشارات بقدر ما تُدار بالرصاص وهذا ما انتبهت إليه إيران ولعبت على أساسه..

الأيام وربما الساعات القادمة ستكون حاسمة لمسار الصراع إما العودة إلى المفاوضات مع الإشارة أن هذه العودة حسب رسائل الطرفين لمن يهمه الأمر لن تكون مجدية بظل تمترس كل طرف وراء شروطه التي من الاستحالة على الطرف الآخر الإستجابة لها ، لأنها بالنسبة إذا قبل بها إعلان هزيمة كالملف النووي والصواريخ البالستية وفك الحصار ودفع تعويضات وخروج القوات الأمريكية من المنطقة !!

الخطورة بانهيار مسار المفاوضات أن الحرب ستكون هذه المرة غير التي رأيناها في الجولة الأولى لأن الإستماتة من كل طرف ستكون حاضرة بقوة في هزيمة الآخر دون أي حساب للقوانين والأعراف التي تحكم الحروب فهي بالنسبة لأمريكا استرداد لهيبتها وإثبات سطوتها على العالم كقوة عظمى!!
أما بالنسبة لإيران فستكون عودة الحرب الفرصة الأخيرة للحفاظ على تبقي لديها من مقومات الدولة وستضرب بكل الاتجاهات لتوسيع دائرة النار ، "علي وعلى أعدائي" ساعتها ستكون الخسائر صخمة على المنطقة على المستوى الأمني والعسكري والاقتصادي وستطال هذه الخسائر مساحات واسعة من العالم خصوصا على الجانب الإقتصادي..

في هذه الساعات يحبس الجميع أنفاسهم ويراقبوا من سيغلب صوت العقل أم أزيز الطائرات والصواريخ ....
هذه حرب بلا هوية وأهدافها متغيرة كل ساعة من الطبيعي أن تكون على هذه الشاكلة من الفوضى والغموض..

مواضيع قد تهمك