محمد ابو رمان : حزب الأمّة.. الشكل والمضمون
خطوات جيدة قام بها حزب جبهة العمل الإسلامي مؤخراً، بداية من التعديلات على النظام الأساسي التي تؤطر الحزب ضمن المفاهيم والقيم الوطنية، وصولاً إلى الاستجابة لطلب الهيئة المستقلة للانتخاب بتغيير الاسم نحو اسم جديد وهو «حزب الأمة» (بعد أن قام الحزب باستفتاء عام لأعضائه وقاعدته الاجتماعية ليقرر الاسم الجديد)، لكن ما هو أهمّ أن تتوازى هذه التغييرات الهيكلية والشكلية- القانونية مع تغيير في منهجية التفكير السياسي، وليس المقصود هنا ما هو استجابة لطلبات الحكومة بل متطلبات القراءة الراشدة العقلانية للواقع السياسي المحلي والإقليمي وتحولاته، فهي فرصة كبيرة ليكون الحزب نموذجاً جديداً للأحزاب الإسلامية في المنطقة في بناء مقاربة مختلفة نحو الإصلاح والتغيير.
شكّلت العلاقة بين الدولة والإسلاميين، في الأردن، تاريخياً نموذجاً استثنائياً في العالم العربي، خلال عقود سابقة، على قدرة الدولة على إدماجهم واستيعابهم في مؤسسات التمثيل السياسي والنقابي المختلفة، من جهة، والاعتدال والبراغماتية في الخطاب السياسي لديهم من جهةٍ أخرى، قبل أن تجري مياه كثيرة تحت الأقدام، وتتغير العلاقة نحو التأزيم المستمرّ منذ عقود، مع انفراجات محدودة فيما بينهما.
لقد أثّرت عمليات الانشقاق المتتالية داخل الحركة منذ العام 2015، التي أدت إلى خروج نسبة كبيرة من التيار المعتدل وقياداته من رحم الجماعة، في إضعاف الخطاب والسلوك البراغماتي الذي طالما تميزت به في عقود سابقة من جهة، واختلال في البنية الاجتماعية الداخلية من جهةٍ أخرى، وتغليب خطاب فيه نديّة مع الدولة وحالة من الصدامية، فضلاً عن سياقات الربيع العربي وما حملته من تحولات كبيرة، والظروف الإقليمية التي مرّت بها المنطقة بأسرها حتى اللحظة، في تكريس معادلة جديدة بين الحركة بوصفها المعارضة السياسية الكبرى في البلاد والحكومات المتعاقبة.
ليس المطلوب، بكل تأكيد، أن يتخلى الحزب (الأمّة حالياً) عن دوره كمعارضة سياسية حزبية ومنظمة، بل هذا الدور جزء مهم ومطلوب وضروري في أيّ عملية سياسية متوازنة، وفي التمثيل البرلماني، من جهة، وفي منح المصداقية الكبيرة لعملية التحديث السياسي من جهةٍ ثانية، لكن، في المقابل، فإنّ المطلوب من الحزب أن يربط خطابه وسياساته بالمعادلة الوطنية الأردنية، بمصالح بلاده السياسية والاقتصادية، لا بسياق الحروب والاعتبارات الخارجية، بخاصة أنّ الحرب الإيرانية الأميركية الأخيرة كانت دليلاً دامغاً على أنّ كل الدول تعطي الأولية القصوى لمصالحها الاستراتيجية بغض النظر عن الدعاية السياسية التي تتبناها تلك الحكومات.
الإسلام السياسي في المنطقة يمرّ بمرحلة غير مسبوقة تتجاوز حتى تلك التي كان يمثّل فيها خطاب المعارضة السياسية، في مرحلة ما قبل الربيع العربي، فهو قد وصل إلى السلطة وخرج منها لأسباب انتخابية أو سياسية (أيّاً كان التحليل السياسي لما حدث)، كما أنّ السياقات الدولية التي ساعدت تلك الحركات على إيجاد مساحات آمنة في العديد من الدول الغربية والعربية حين دخلت في مواجهة مع الأنظمة المحلية، بينما هنالك اليوم بيئة دولية وإقليمية جديدة ومختلفة بالكلية تستدعي من هذه الحركات مراجعات عميقة، سواء على صعيد خطاباتها الداخلية وقدرتها على القفز للأمام نحو خطاب جديد أكثر واقعية واعتدالاً واتزاناً او على صعيد تصوراتها الفكرية والاستراتيجية في ضوء الدروس المنبثقة منذ لحظات الربيع العربي إلى اليوم.
ربما يساعد الاسم الجديد «الأمّة» على تعزيز الانتقال الداخلي في هذه الحركات، وإن كان بعض الناقدين للحزب يرى في العنوان الجديد، كذلك، بأنّه ما يزال يصر على تجاوز «الحدود الوطنية»، لكن يمكن النظر إليه بإيجابية؛ فهو يستدعي مصطلح «الدولة الأمة» The Nation State، بوصف الهوية الوطنية الركيزة الرئيسية لعمل الحزب، ولا ينفي، في الوقت نفسه، الأبعاد القومية والإسلامية عن خطاب الحزب بوصفه حزباً يحمل هوية وطنية عربية إسلامية، وهي سمة من سمات الثقافة الأردنية وخطاب الدولة وهويتها بصورة عامة.