رمزي الغزوي : عافيتنا الرقمية
لم أكن أنوي أن أكتب عن هذه العافية المفقودة لولا اطلاعي على تقرير لمنصة DataReportal العالمي جاء فيه أن مستخدم الإنترنت العادي عالميا يقضي حوالي 6 ساعات و38 دقيقة يومياً. أكثر من ربع يوم نمنحه لزجاج مضيء، لا يعرفنا ولا يكترث بنا، بينما نمنحه نحن أعيننا، ووقتنا، وشيئا أعمق لا يُقاس بسهولة. عند هذه العتبة، لم يعد الرقم مجرد إحصاء بقدر ما هو سؤال مؤلم عن الكيفية التي نعيش بها اليوم، وعن ذلك الجزء الذي يتسرب منا دون أن ننتبه.
الحكاية لا تتعلق بزمن مهدور فقط، بل بزمن يعاد تشكيله على مقاس آخر. الحكاية بتسلل العافية الرقمية، لا كمفهوم جاهز، بل كحاجة داخلية لإنسان يشعر أن إيقاعه لم يعد له. هي تلك القدرة الرقيقة على أن تظل متماسكا وسط هذا السيل العرم، أن تستخدم التقنية دون أن تبتلعك، وأن تبقى حاضرا في حياتك بينما تعبر هذا العالم المزدحم بالإشعارات والنداءات الصامتة. ليست قطيعة مع الحداثة، بل تهذيب لعلاقة اختل ميزانها.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة في هذا السواد. في الزاوية الأخرى، ثمة ما يستحق الالتفات. كبير سن يتعلم مهارة جديدة، فيستعيد شيئا من حيويته. أم تخفف عنها شاشة صغيرة قسوة الغياب. إنسان يقرر أن يعتني بجسده لأن تطبيقا بسيطا أيقظه من خمول طويل. التقنية، في جوهرها، تقف على الحياد، ونحن من نمنحها معناها، ونحدد إن كانت جسرا نعبر به، أو هوة نسقط فيها.
العافية الرقمية، بهذا المعنى، ليست فكرة نظرية. هي فعل يومي صغير، يتكرر حتى يصنع فرقا كبيرا. أن نختار متى نكون متصلين، ومتى ننسحب بهدوء. أن نعيد للوقت وزنه، وللانتباه قيمته، وللحظة معناها. أن نرفع رؤوسنا قليلا من هذا الانحناء الطويل، لا لنرفض العالم، بل لنراه كما هو، بلا فلاتر ولا زيف.
نحن لا نخسر ساعاتنا فقط، نحن نخسر قدرتنا على أن نعيشها بامتلاء. وهذا هو الفقد الحقيقي. فالحياة التي تُعاش على عجل، بين تمريرة وأخرى، تصبح أخف من أن تُذكر، وأفقر من أن تُحس. والعافية الرقمية ليست أكثر من محاولة نبيلة لاستعادة ذلك الامتلاء، لإعادة الإنسان إلى مركز حياته، بعد أن كاد يصبح هامشا في يومه.