الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : م. ت. ف

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : م. ت. ف
أخبارنا :  

أفاق أبناء جيلي على الدنيا وصفحات الجرائد تعجُّ بأخبار منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت تلك الحروف الثلاثة (م. ت. ف. او PLO) تعبر عن عنفوان قضية عادلة، حتى غدت من فرط حضورها أيقونةً عالمية حاضرة. غير أنَّ المشهد تبدل عام 1993 مع انطلاق مرحلة جديدة. اذ خَفَتَ بريق الاختصار الشهير في الفضاء الإعلامي، وانتقل اسم (م.ت.ف) بشكل متسارع إلى خزائن الأرشيف، ليحل محله العنوان الأبرز، السلطة الوطنية الفلسطينية.

كان عام 1993 فاصلاً، إذ رآه السياسيون الفلسطينيون والعرب حينها، بمنطقٍ مفعمٍ بالأمل، بدايةً لمشروع وطني نضالي يتوج بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. وفي غمرة هذا الانتقال، تسلمت السلطة الوطنية الفلسطينية الراية، وتراجعت المنظمة خطوات مدروسة إلى الوراء، في محاولة لإضفاء صبغة شرعية الدولة على المفاوضات الماراثونية. فإسرائيل، كما ساد كان المفهوم في وقتها، لن تفاوض حركة مقاومة، بل ستفاوض مشروع دولة ناشئة.

لم تكن المنظمة يوماً محل إجماعٍ كامل، فلسطينياً أو عربياً، لكنها كانت من دون شك، الرافعة الأهم للمشروع الوطني الفلسطيني في الداخل والمهجر والشتات. ومع كل ما شاب مسيرتها من أخطاء وخطايا، مثّلت المنظمة أحد أعظم إنجازات الشعب الفلسطيني في القرن العشرين، وحققت حضوراً دولياً وتأثيراً فاعلاً جعل منها العنوان الذي تمر عبره جل مشاريع النضال او التسوية السلمية العادلة. وقد حاولت السلطة الوطنية الفلسطينية مع بداياتها حمل جوهر هذا المشروع، إلا أن طبيعة المفاوضات المكوكية وتفاصيلها المتشعبة والتفصيلية، وما قابلها من مماطلة إسرائيلية ممنهجة، حرفت المسار عن نهاياته المأمولة والمجدية.

واليوم، تمر القضية الفلسطينية بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً والأشد خطورة، حيث تزامن التدمير الممنهج في قطاع غزة مع محاولات تصفية المشروع الوطني برمته، في ظل حرب إقليمية مزلزلة خلطت جميع الأوراق وزعزت كل المسلمات. ويقوم اليمين الإسرائيلي اليوم باستغلال الظروف الجيوسياية لحسم القضية من خلال تكريس نظام الفصل العنصري وإلغاء مبدأ حل الدولتين. لقد كانت اتفاقات أوسلو محاولة صادقة من الجانب الفلسطيني لإنجاز تسوية تاريخية، على أمل الانعتاق من الاحتلال، والانخراط في البناء والتنمية، لكن تلك الآمال تبخرت بفعل عوامل معروفة، وصولاً إلى أحداث 7 أكتوبر وما تلاها، والتي كشفت عن تداعيات مؤلمة أبرزها إضعاف السلطة الفلسطينية وغياب وحدة الفصائل تحت مظلة وطنية موحدة وشاملة.

في ظل هذا الوضع القاتم، تبرز دعوات مفكرين فلسطينيين لإعادة الروح إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ليس لاستذكار الماضي، بل كإطار استراتيجي جامع، عابر للاتفاقات، يضم كافة الفصائل والحركات دون استثناء ويشمل الفلسطينيين في كل العالم. إن الدعوة لإحياء دور المنظمة لا تعني إرباك السلطة، بل هي اعتراف بدور الأخيرة في إدارة الشؤون الحياتية اليومية وتثبيت المواطن على أرضه، بينما تضطلع المنظمة بالمهمة الكبرى، ألا وهي إعادة القضية الفلسطينية إلى مركزيتها كأعدل قضية تحرر في العصر الحديث.

علينا استثمار حالة الوعي الدولي غير المسبوقة مع القضية الفلسطينية، والاستفادة من التحول العالمي ضد السياسات العنصرية الإسرائيلية. وفي ظل الصحوة العالمية في وجه الصهيونية المتوحشة على كل الأصعدة، فان اللحظة مواتية. الأزمة الحالية تتطلب قيادة موحدة قادرة على إعادة تصحيح المسيرة. لقد حان الوقت لتخرج (م. ت. ف.) من التجمد إلى واجهة الفعل السياسي، ليس لاستنساخ التاريخ، بل كمرحلة متجددة للمشروع الوطني الفلسطيني لكل الفلسطينيين، في الداخل والخارج، وعلى مستوى العالم.

مواضيع قد تهمك