احمد عوض : ما هو أبعد من صدمات الطاقة والأسواق المالية ؟
توقفت الحرب عسكرياً، أو على الأقل خفتت أصواتها، لكن أثرها الاقتصادي والاجتماعي لم يتوقف. هذا هو الدرس الأوضح بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. فالصدمات لا تنتهي عندما تسكت الصواريخ، لأن آثارها الحقيقية تظهر لاحقاً، وتتسرب تدريجياً إلى الأسعار، والاستثمار، وفرص العمل، ومستوى الحماية الاجتماعية.
ولا أتوقف هنا عند الضرر الذي أصاب صورة القوة الأميركية في المنطقة
والعالم، فذلك يحتاج إلى قراءة من نوع آخر. ما يعنيني هو أن الأثر
الاقتصادي والاجتماعي سيبقى حاضرا لأشهر، وربما لسنوات، لأنه لا يظهر دفعة
واحدة، بل يتراكم ببطء في حياة الناس واقتصادات الدول.
وللحرب تداعيات أعمق من صدمات الطاقة والأسواق المالية. فهي كشفت من جديد
هشاشة الاقتصاد العالمي، وأظهرت حجم الانكشاف الذي تعانيه دول الجنوب
العالمي، في ظل ارتفاع المديونية، وضعف القاعدة الإنتاجية، ومحدودية
الموارد العامة، وغياب الحماية الاجتماعية الكافية.
في الاقتصادات المتقدمة، قد تظهر الصدمة في صورة تباطؤ في النمو أو تراجع
في الاستثمار. أما في دول الجنوب، فهي تأخذ شكلا أكثر قسوة، ارتفاع في
الأسعار، ضغط على العملات، تآكل في الأجور، تراجع في فرص العمل، واتساع
جديد في الفقر. وهنا لا يعود الأمر مسألة أرقام فقط، بل يتحول إلى مسألة
اجتماعية وسياسية، لأن كل صدمة خارجية تصبح قابلة للتحول إلى أزمة داخلية
عندما تكون الحماية ضعيفة.
المشكلة أن أسواق العمل ما تزال تُعامل في كثير من النقاشات العالمية كملف
ثانوي، مع أنها في الحقيقة تمثل جوهر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. صحيح
أن معدلات البطالة العالمية تبدو مستقرة ظاهرياً (4.9 %) حسب منظمة العمل
الدولية، لكن هذا الاستقرار يخفي واقعاً أكثر هشاشة. فهناك مئات الملايين
من العمال الذين يعيشون في فقر مدقع، وأكثر من نصف القوة العاملة العالمية
تعمل في الاقتصاد غير المنظم. وهذه العمالة تتركز أساساً في دول الجنوب،
وخصوصاً في البلدان الأقل نمواً.
من هنا، لا تكفي الدعوة إلى حماية الماليات العامة للدول وحدها. المطلوب هو
حماية المجتمع نفسه. فالاستقرار المالي مهم بلا شك، لكنه لا يكفي لصناعة
صمود الدول واستقرارها. ما يصنع الاستقرار الحقيقي هو وجود أسواق عمل
مستقرة وعمل لائق، وحماية اجتماعية شاملة. وعندما تغيب هذه الشروط، قد تبدو
موازنات الدول مستقرة على الورق، بينما يزداد المجتمع هشاشة في الواقع.
وهذا المعنى برز بوضوح في النقاشات التي شهدتها اجتماعات الربيع لصندوق
النقد والبنك الدوليين الأخيرة في واشنطن. فإلى جانب الحديث التقليدي عن
النمو والديون والتضخم، كان هناك تركيز واضح من منظمات المجتمع المدني
والمنظمات الحقوقية ومنظمة العمل الدولية وغيرها على أن التعافي الاقتصادي
لا يمكن أن يتحقق مع اتساع العمالة غير المنظمة، وتراجع جودة العمل، وتقلص
قدرة الحكومات على تمويل الحماية الاجتماعية.
لذلك، يجب قراءة هذه الحرب باعتبارها إنذاراً جديداً. فهي أثبتت أن
الاقتصاد العالمي لا يتضرر فقط عبر الأسواق والطاقة والمال، بل يتضرر أيضاً
من أسفل، من هشاشة العمل، وضعف الدخل، وتراجع الحماية الاجتماعية. وفي هذه
النقطة تحديداً تدفع دول الجنوب الثمن الأكبر.
ما بعد الحرب، إذن، ليس مسألة أسواق عالمية فقط، بل مسألة نموذج اقتصادي.
فلا استقرار من دون عمل لائق للجميع، ولا تعافٍ من دون حماية اجتماعية
متماسكة. وإذا لم تصبح هذه الأولويات في مستوى أهمية الماليات العامة، فإن
الصدمات المقبلة ستجد دول الجنوب أكثر تعرضاً وأكثر هشاشة.