د. جهاد يونس القديمات : العمل بذكاء في القطاع العام (العمل المؤسسي)
حين يذكر القطاع العام، يتبادر إلى الذهن ذلك المشهد التقليدي المتمثل في الإجراءات المتعددة وسلسلة الموافقات الطويلة، والإحساس العام بأن الزمن يتحرك ببطء داخل المكاتب، لكن هذه الصورة رغم واقعيتها الجزئية تخفي جانبا آخر أكثر عمقا، وهو أن هذا الإطار المنظم بكل ما فيه من قواعد يحتوي في داخله على مساحات حقيقية للعمل بذكاء، لمن يدرك كيف يفهمه ويتحرك ضمنه، لا لمن يكتفي بالشكوى منه أو الاصطدام به!.
يقصد بالعمل بذكاء في القطاع العام هو القدرة على إنجاز المهام بكفاءة وفعالية من خلال فهم القوانين والأنظمة والتعليمات والأسس، واستثمار المساحات المرنة فيها بشكل نظامي، لتحقيق أفضل نتيجة بأقل وقت وجهد دون مخالفة الإطار القانوني.
العمل بذكاء اذن لا يعني التلاعب أو تجاوز القواعد بل هو في جوهره قدرة على قراءة النظام من الداخل وفهم كيف تتشكل القرارات وأين توجد نقاط التأثير وكيف يمكن تحقيق الهدف بأعلى كفاءة ضمن الإطار المتاح؟، وهو انتقال من عقلية التنفيذ الحرفي إلى عقلية الفهم والتحليل، حيث لا يكون السؤال ماذا أفعل فقط بل كيف أفعله بطريقة تحقق النتيجة دون تعطيل أو صدام.
لفهم هذه الفكرة بشكل أوضح لا بد من النظر إلى البنية التشريعية التي تحكم العمل في القطاع العام والتي تقوم على تدرج واضح يبدأ بالقانون ثم النظام ثم التعليمات ثم الأسس، وهذا التدرج ليس مجرد تصنيف نظري بل هو توزيع دقيق للأدوار بين الصرامة والمرونة، بحيث تبقى المبادئ ثابتة بينما يظل التطبيق قابلا للتكيف.
القانون يمثل القاعدة الكبرى، فهو الذي يحدد الإطار العام ويضع الحدود التي لا يمكن تجاوزها مثل تحديد الحقوق والواجبات أو تجريم أفعال معينة، فعلى سبيل المثال عندما ينص قانون العمل على حق الموظف في الإجازة السنوية فإن هذا الحق يصبح ثابتا لا يمكن لأي جهة إلغاؤه، لأنه يستند إلى أعلى مستوى تشريعي وهنا لا مجال للاجتهاد أو المرونة بل للالتزام فقط.
يأتي بعد ذلك النظام الذي يحول هذا الحق العام إلى آلية تطبيق، فيحدد عدد أيام الإجازة وشروط الحصول عليها وإجراءات الموافقة، وهنا يبدأ التنظيم يأخذ شكلا عمليا لكنه لا يزال في إطار عام نسبيا، فعلى سبيل المثال قد ينص النظام على أن الإجازة تمنح بناء على طلب مسبق وموافقة المدير المباشر، دون أن يحدد تفاصيل دقيقة لكل حالة.
أما التعليمات فهي المستوى الذي تنزل فيه النصوص إلى أرض الواقع،حيث تحدد كيفية تقديم الطلب والمدة الزمنية والنماذج المستخدمة، وربما حتى المنصة الإلكترونية التي يتم من خلالها التقديم، وهنا يصبح الموظف أمام خطوات واضحة مثل تقديم الطلب قبل أسبوع أو تعبئة نموذج محدد أو إدخال البيانات في نظام معين، وهذه التفاصيل هي التي تشكل التجربة اليومية داخل المؤسسة.
ثم تأتي الأسس التي هي المستوى الأكثر مرونة والأقل صرامة من حيث الإلزام، لكنها في الوقت ذاته الأكثر تأثيرا في توجيه القرار لأنها تعكس فلسفة المؤسسة في التطبيق، مثل مراعاة ظروف الموظفين أو إعطاء الأولوية للحالات الإنسانية أو تقدير الأداء المتميز، وهذه المعايير لا تكون دائما مكتوبة بشكل تفصيلي لكنها حاضرة في طريقة اتخاذ القرار.
هذا التدرج يكشف بوضوح أن الحركة ليست متاحة في جميع المستويات بنفس الدرجة، فالقانون يمثل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه والنظام يحدد المسار، بينما التعليمات تفتح مجالا محدودا للتنظيم، وتبقى الأسس هي المساحة الأوسع التي يمكن من خلالها تحقيق المرونة، وهنا تحديدا يظهر معنى العمل بذكاء. فعلى سبيل المثال إذا تأخر موظف في تقديم طلب إجازة وفق التعليمات قد يواجه رفضا شكليا، لكن الموظف الذكي لا يقف عند هذا الحد بل ينظر إلى الأسس التي قد تنص على مراعاة الظروف الطارئة، فيعيد تقديم الطلب مرفقا بتوضيح منطقي يستند إلى هذه الأسس، فيتحول الرفض من إجراء آلي إلى قرار قابل للمراجعة، دون مخالفة أي نص. في مثال آخر، داخل مؤسسة تعتمد نظاما إلكترونيا لتقييم الأداء، قد تنص التعليمات على رفع تقارير شهرية لكن الأسس قد تشير إلى أن التقييم يعتمد على جودة الإنجاز وليس عدد التقارير فقط، وهنا يستطيع الموظف الذكي أن يركز على تحسين مخرجاته مع الالتزام الشكلي بالتقارير، فيحقق نتيجة أفضل من شخص يلتزم بالعدد دون جودة.
يظهر العمل بذكاء في طريقة التعامل مع الإجراءات فبدلا من الانتظار السلبي، يمكن للموظف أن يختصر الوقت من خلال فهم التسلسل الإداري ومعرفة من يملك القرار فعليا، وتقديم الطلب بشكل مكتمل منذ البداية، مرفقا بكل ما يدعمه من مستندات وربما بصياغة مقترح جاهز، مما يسهل على المسؤول اتخاذ القرار بسرعة لأن الجهد المطلوب منه أصبح أقل.
من الأمثلة الواقعية أيضا، في المشاريع الحكومية التي تتطلب موافقات متعددة قد تتعطل المعاملة بسبب نقص بسيط في البيانات بينما الموظف الذكي يتوقع هذه النقاط مسبقا، ويجهز جميع المتطلبات قبل التقديم أو يتواصل مع الجهات المعنية بشكل استباقي، فيتحرك المشروع بسلاسة أكبر رغم أن الإجراءات نفسها لم تتغير.
الذكاء هنا لا يكمن في تغيير النظام بل في فهمه بعمق والتمييز بين ما هو ثابت وما هو قابل للتفسير وبين ما هو إلزامي وما هو تقديري، لأن كثيرا من التعطيل لا يأتي من النصوص نفسها بل من التعامل السطحي معها، أو من الخلط بين المستويات المختلفة. كما أن العمل بذكاء يعيد تشكيل العلاقة مع البيروقراطية، فبدلا من النظر إليها كجدار مغلق، يمكن رؤيتها كشبكة مسارات بعضها مباشر وبعضها متعرج، لكن جميعها تؤدي في النهاية إلى هدف محدد، ومن يعرف هذه المسارات يستطيع أن يختار الطريق الأنسب بينما من يصر على السير بعشوائية سيشعر دائما أن النظام ضده.
بعبارة أخرى، لا يمكن إنكار أن القطاع العام يفرض تحدياته الخاصة لكنه في الوقت ذاته يوفر بيئة منظمة يمكن العمل داخلها بفعالية لمن يمتلك الوعي الكافي، فالنجاح لا يتحقق فقط بالاجتهاد بل بالفهم، ولا بالسرعة فقط بل بالدقة، ولا بالصدام بل بالتحرك الذكي ضمن الإطار. ان العمل بذكاء في القطاع العام هو قدرة على الجمع بين احترام النصوص واستثمار مساحاتها وبين الالتزام والمرونة وبين الشكل والمضمون، وهو ما يصنع الفرق الحقيقي بين موظف يؤدي واجبه وآخر يصنع أثرا داخل المؤسسة، بهدوء وبمشروعية وبنتائج تدوم.
jehadhr@gmail.com