الأخبار

بشار جرار : إن فعال

بشار جرار : إن فعال
أخبارنا :  

شتان بين انفعال ناتج عن افتعال أو ردة فعل غير مأمونة العواقب، وبين الفعل الصادر عن فاعل ممسك بزمام المبادرة. الثاني قادر على ضبط الأمور وإعادة ضبطها وتوجيهها كيفما ومتى أراد، فيما الأول سرعان ما يتلاشى فعلا وأثرا وذِكرا.

يؤخذ على بعض الثقافات وبعض الفئات العمرية اتسامها بالانفعالية. هي ليست عيبا دائما. الفعل والانفعال كما الفضيلة، «خير الأمور أوسطها»، والوسط فيها هو ذلك الرابض بين الإفراط والتفريط.

حسن تقدير الموقف أو الأمور يقاس دائما بمدى القدرة على النظر في الأشخاص والأشياء في حركتها الدائبة. لا سكون في السياسة أبدا. من سنتها الحراك، لا الثبات. تُطرب مقولات الثوابت السياسية أو الأخلاقية الجميع لا ريب، لكن العبرة في قدرة تطويع المتحرك مع تلك الثوابت، وإلا تطلب الأمر مراجعة ثلاثية، لا تقف بين الثابت والمتحرك أو المتغير، بل في القائم على تقييم كل منها.

في الأزمات، تختلط الأمور على تقييم تلك العاطفة الجياشة الكامنة خلف أي مشاعر وانفعالات، والتي تترجم عاجلا أم آجلا إلى سلوكيات ومواقف، اختيارات وقرارات. مع تكرار التحديات والأزمات وأحيانا الملمات، فقدَ البعض على نحو فردي أو جمعي، القدرة على ضبط العلاقة بين العاطفة والموقف، بين الانفعال والفعل، بين الاشتباك العاطفي، الهدّام والبنّاء.

اللافت أن تلك المسألة عابرة حتى لمعسكرات المنقسمين بين «فسطاط» ما يراه البعض حقا، وما يراه البعض الآخر، باطلا. الأصل ألا يفسد الخلاف للود قضية، وأن «اختلاف أمتي رحمة»، كما جاء في الحديث الشريف، وأن الاختلاف أو الخلاف لا يجوز أن يتحول إلى خصومة. خصام مهما صغر، لم تسمح الشرائع السماوية بدوامه سيما إن انحدر إلى الجفاء والقطيعة والعداوة بين الناس. لذلك لا يليق «الصبر» على الخلاف أو الجفاء لأكثر من ثلاثة أيام، وفق بعض القراءات لبعض النصوص الدينية والتفسيرية. خير البر عاجله وليس من خير وبر أعظم من إصلاح ذات البَيْن، فالصلح خير..

ولأن الأمر في المقام الأول ثقافة وتربية وتعليم، قد يكون من المفيد والضروري جدا ودونما تردد أو تسويف، مراجعة الثقافة القائمة على إدارة الاختلاف والخلاف، خاصة في الفضاء العام سواء أكان على الشاشات أو المنصات أو الجلسات الخاصة، سيما لمن يصنفون في عداد النخب، على أي أرضية كان التقييم.

من غير اللائق أن تكون ردود أفعال، أو انفعالات طبيب جراح، أو مهندس بَنّاء، أو خبير في الأمن الزراعي أو الغذائي أو السيبراني، على سوية ما يطرحه متصل في برنامج بث مباشر أو فضفضة، في صباح يوم عمل، في ساعات الذروة المرورية، أو آخر الليل في برامج «السهرة»، أو مناجاة ما قبل الخلود إلى النوم الهانئ العميق!

برامج الصراخ والصياح، والتراشق اللفظي، تحولت من استوديوهات بعض البرامج إلى ما تحت السقوف الأكاديمية أو النقابية، حتى وصلت في مرحلة ما مؤسفة، إلى تحت القبب البرلمانية في أكثر من بلد بما فيها تلك الأقدم في الممارسات الحزبية والانتخابية.

من واجب المضيف المدير، مضيف المتحاورين ومدير الحوار الذي ينبغي أن تكون له رسالة، من غير المقبول ألا تكون سوى منطقية عقلانية وطنية، من واجب أولئك الإخوة النجوم اتقاء الله فيما هو أهم من نِسب المشاهدة و»ترندات وكومشنات» الدعاية والإعلان! فما ينبغي أن يكون على المحك، هو سمعة وصورة موقف أو قضية أو وطن، وليس ضيفا أو مضيفا على ما يبث على الهواء مباشرة.

لم تعد الصحافة كلاسيكية بأنواعها، ويعمد غالبا أو أحيانا بعض الأصدقاء والأعداء و»الأعدقاء»، إلى هندسة سردية كيفما أرادوا، لا بالاستناد إلى تصريح الوزير أو المسؤول المختص، بل إلى هتاف نشاز في مدرج رياضي أو فني، أو صراخ مفتعل في، أو صياح لا فصاحة فيه ولا رؤية، على برنامج يزعم أنه بر بصاحب شعار «الرأي والرأي الآخر»، الإعلامي الأردني الكبير الراحل جميل عازر، رحمة الله عليه.

الانْفِعال مهما حسُن في عيوننا، إلى زوال. ما يبقى هو الفعل الفعّال. إنّ الفِعالَ أبلغ نفعا وأطول أثرا. ذلك ما «يمكث في الأرض وينفع الناس»، كما جاء في الذكر الحيكم.

مواضيع قد تهمك