حسن الدعجة : سيناريوهات إدارة الصراع وإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط
تشكل المفاوضات الإيرانية–الأميركية واحدة من أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي المعاصر، لما لها من تداعيات تتجاوز حدود الطرفين لتطال توازنات الشرق الأوسط وأسواق الطاقة والأمن الدولي. وفي ضوء المسارات الحالية، يمكن قراءة مآلات هذه المفاوضات ضمن إطار إستراتيجي يقوم على ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتحدد كل منها وفق معطيات القوة، وحسابات الردع، وطبيعة البيئة الإقليمية والدولية.
أولاً، سيناريو التفاهم المرحلي (الأكثر ترجيحا)، ويقوم على التوصل إلى
اتفاق محدود أو «تفاهم مؤقت» لا يرقى إلى اتفاق شامل كالذي تم في عام 2015،
لكنه يحقق أهدافاً تكتيكية للطرفين. في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة
إلى تجميد البرنامج النووي الإيراني عند مستويات يمكن السيطرة عليها،
مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، خاصة في ما يتعلق بتصدير النفط والأصول
المجمدة، فيما تسعى إيران إلى كسر العزلة الاقتصادية دون تقديم تنازلات
إستراتيجية كبرى، مع الحفاظ على أوراق قوتها الإقليمية. ويعكس هذا
السيناريو براغماتية متبادلة وإدراكاً لكلفة التصعيد، خاصة مع انشغال
واشنطن بملفات دولية أخرى، ورغبة طهران في احتواء الضغوط الداخلية، ما يدفع
الطرفين نحو إدارة التوتر بدل حسمه عبر تفاهمات مرنة ومؤقتة. وتبلغ فرص
تحقق هذا السيناريو نحو 60 %، نظراً لقدرته على تحقيق حد أدنى من المصالح
دون الانخراط في تسويات معقدة. وشروط تحقق هذا السيناريو هي:
استمرار قنوات الاتصال الدبلوماسية المباشرة أو غير المباشرة.
قبول متبادل بمبدأ «التجميد مقابل التخفيف».
ضبط السلوك الإقليمي وخفض وتيرة التصعيد غير المباشر.
وجود غطاء دولي أو أوروبي داعم للتفاهم.
عدم تصاعد أزمات إقليمية مفاجئة تعرقل المسار.
ثانياً، سيناريو الجمود والتصعيد المحدود، ويقوم على فشل المفاوضات في
تحقيق اختراق حقيقي، مع استمرار سياسة «الضغط مقابل الضغط». في هذا الإطار،
قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تشديد العقوبات وتكثيف الضغوط الدبلوماسية،
بينما تواصل إيران رفع مستوى تخصيب اليورانيوم وتوسيع قدراتها التقنية، مع
استخدام أدواتها الإقليمية للضغط غير المباشر. ويعكس هذا المسار حالة إدارة
صراع مفتوح دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين
موقعه التفاوضي عبر التصعيد المحسوب، ما يرفع منسوب التوتر ويزيد احتمالات
الاحتكاك في الخليج أو في الساحات الإقليمية مثل العراق وسورية. وتبلغ
احتمالية هذا السيناريو نحو 25 %، خاصة في حال تعثر التفاهمات بسبب قضايا
تتجاوز الملف النووي. وشروط تحقق هذا السيناريو هي:
تعثر المفاوضات عند القضايا الخلافية غير النووية (الصواريخ والنفوذ الإقليمي).
تصاعد سياسة العقوبات الأميركية دون تقديم حوافز مقابلة.
استمرار إيران في رفع نسب التخصيب دون الوصول إلى «نقطة اللاعودة».
تزايد الأنشطة غير المباشرة عبر الوكلاء الإقليميين.
غياب وساطة دولية فعالة قادرة على تقريب وجهات النظر.
ثالثاً، سيناريو الانفجار الإستراتيجي (الأقل احتمالا)، ويتمثل في انهيار
كامل للمسار التفاوضي، يقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو شبه مباشرة، سواء
عبر ضربات محدودة للمنشآت النووية الإيرانية أو عبر تصعيد واسع يشمل
أطرافاً إقليمية. ويعكس هذا السيناريو انتقال الصراع من مرحلة «إدارة
التوتر» إلى «كسر الإرادات»، حيث تفشل أدوات الردع التقليدية في ضبط
السلوك، ما يفتح الباب أمام مواجهة متعددة المستويات. ويحمل هذا المسار
كلفة عالية على جميع الأطراف، إذ قد يؤدي إلى اضطراب حاد في أسواق الطاقة،
وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع رقعة الصراع إقليمياً. ورغم انخفاض
احتماليته (نحو 15 %)، إلا أنه يبقى وارداً في حال حدوث خطأ في الحسابات أو
تصعيد غير محسوب. وشروط تحقق هذا السيناريو هي:
انهيار كامل لقنوات التفاوض وغياب أي مسار دبلوماسي بديل.
وصول البرنامج النووي الإيراني إلى عتبة حرجة تُفسَّر كتهديد وشيك.
تصاعد الاستفزازات العسكرية المباشرة أو الهجمات المتبادلة.
فشل آليات الردع الإقليمي والدولي في احتواء التوتر.
انخراط أطراف إقليمية في التصعيد بما يوسع نطاق المواجهة.
من منظور إستراتيجي، تشير المؤشرات إلى أن الطرفين يتجهان نحو إدارة الصراع
لا حسمه. فالولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى تغيير النظام في إيران بقدر
ما تركز على احتواء سلوكه وتقليل مخاطره، بينما تعمل إيران على ترسيخ
موقعها كقوة إقليمية قادرة على فرض معادلات ردع دون الانزلاق إلى مواجهة
مباشرة. وهذا النمط من «التوازن السلبي» يعكس تحولات أعمق في بنية النظام
الدولي، حيث تتراجع القدرة على فرض حلول نهائية، لصالح إدارة الأزمات عبر
تفاهمات جزئية ومؤقتة.
انعكاسات هذه المفاوضات على المنطقة ستكون متعددة الأبعاد. ففي حال نجاح
التفاهم المرحلي، قد نشهد تهدئة نسبية في بؤر التوتر، وانخفاضاً في حدة
الاستقطاب، ما يفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية أكثر مرونة، وربما تعزيز
مسارات الحوار بين دول الخليج وإيران. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على أسواق
الطاقة من خلال استقرار الإمدادات وانخفاض تقلبات الأسعار.
أما في حال استمرار الجمود، فإن المنطقة ستبقى في حالة «لا حرب ولا سلم»،
مع استمرار النزاعات بالوكالة وتصاعد المخاطر الأمنية، خاصة في الممرات
البحرية الحيوية. وفي هذا السياق، ستزداد أهمية الأدوار الإقليمية للدول
الوسيطة، مثل بعض الدول الخليجية والأردن، في احتواء التوترات ومنع
الانزلاق نحو التصعيد.
في المحصلة، لا تبدو المفاوضات الإيرانية- الأميركية متجهة نحو حل جذري، بل
نحو إعادة تشكيل قواعد الاشتباك بين الطرفين. فالنتيجة الأكثر واقعية ليست
«سلاماً شاملاً» ولا «حرباً مفتوحة»، بل حالة وسطية من التفاهمات المحدودة
التي تُدار ضمن توازنات دقيقة. وبذلك، فإن مستقبل هذه المفاوضات سيظل
رهناً بقدرة الطرفين على إدارة التعقيد، وتجنب الانزلاق إلى سيناريوهات
أكثر كلفة، في بيئة إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم
اليقين.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد