بشار جرار : عَيّدَت؟!
حلوة هي اللهجة الدارجة. وأحلى منها قطعا، اللغة الأم، أيا كانت. فلكل أمة وشعب، وعاؤه اللغوي. أم تراه مَعينا روحيا حضاريا قبل أن يكون مجرد أداة اتصال وتواصل، كلغة قومية، أو لهجة وطنية بتفرعاتها المناطقية.
من الطرائف اللافتة للانتباه والاعتبار، أن بعض اللهجات عابرة لحدود اللغة والوطن. لا أعني اللفظ عينه كمفردات، بقدر ما تكون مصطلحات ومعان محددة، فيها ضرب من العولمة الحميدة.
عند إنجاز فرد أو فريق عمل لمهمة أو مهام بنجاح، يشير عدد من اللغات واللهجات إلى الإنجاز بأنه يستدعي الفرح والبعض يأخذه إلى ما يرتقي إلى معالي الفرحة كبرى، أو «أم الأفراح»، كالأعياد الدينية والوطنية.
لكن من المفارقات التي لا يبررها إلى ما يُعرف بالكلام المبطّن، أو السخرية والهجاء السياسي، الإشارة إلى تسريح فرد أو عزل فريق بأنه «عَيَّد»! لا بل وانزلق البعض وزلت قدمه قبل لسانه، فوصف البعض الإنسان المُبتلى بضغوط نفسية، قد تكون إحداها كفيلة بتصدع جبال لا بل ودكها دكّا تحت وطأة ما تسببه المصائب والمحن، وصفوه تندّرا وتنمّرا بأنه «مْعيِّد» أو فيه «لُطف» أو مسّ من «الجنون»! لا أريد ذكر أي من المشاهير الذين كان بالإمكان أن تخسر البشرية إسهاماتهم العبقرية لو كانوا في مجتمعات لا ترحم أو لا تفهم الاختلاف أو ما هو غير مألوف. من الأمثلة الصارخة ألبرت آينشتاين و إيلون ماسك!!
ومما يندى له الجبين ويحز بالنفس، سيما في المجتمعات ذات التراث الروحي والموروث الثقافي الرحيم العظيم، تعامل البعض مع من ابتُلي بالاضطراب أو المرض النفسي أو حتى العقلي، على أنه جدير بالستر أو الاحتواء، أو الاجتناب أو التجاهل أو المجاراة أو الطبطبة -فيقال «خذ فلانا على قد عقله»، وجميعها مقولات ومواقف لا ترضي من رسخت في ضميره القيم الروحية والإنسانية النبيلة، فكم من ضعيف كان أقوى في ميزان رب العالمين جل جلاله، وفي نظر الرجال-الرجال، من أولي العزم، أقوى ممن طالت ألسنتهم وأيديهم سمعة الناس وحقوقهم، فلم يسلم أحد لا كبيرا ولا صغيرا، من «المُستظرِفين المُتندّرين» المتنمرين.
الوصمة عار. عار في المقام الأول على مطلقها بغير حق وعن غير علم. وفي منطقة كثرت فيها الحروب والنزاعات، وطغى فيها الاختلال المزمن لمعادلة الموارد والسكان، يعرف الناس كافة وليس مختصي العلوم النفسية والاجتماعية فحسب، يعرفون أن كثيرا ممن يوصمون بالمرض النفسي أو العقلي، ما هو إلا نتاج ما كان في الأصل ندبة تم إخفاؤها أو تجاهلها. ندبة لجرح ليس مرتبطا بالضرورة بالإيذاء النفسي أو «المُستحق!»، بقدر ما قد يكون نتاج عدوان من الآخر، أو ما نسميه أحيانا «عاديات الزمن». على اعتبار أن «الزمن الجميل» قد مضى وأنه كان «قمرة وربيع» في الفصول الأربعة!
التعامل مع الضغوط والانفعالات بأنواعها، بصرف النظر عن مبرراتها وأشكالها، ليس بحاجة إلى تبرير ولا حتى للملامة. قد نكون كلنا «في الهمّ شرق». وتلك صارت ظاهرة عالمية، فليس من يعيش في دول غنية أو ديموقراطية بمعايير الغرب، ليس بالضرورة بأحسن حالا مما يقال إنها على النقيض من ذلك شرق أو جنوب قريتنا العالمية الصغيرة.
المستمع لدردشات الناس، همساتهم و»وشوشاتهم»، والمنصت إليها خارج عالم الإعلام التقليدي والتصريحات، سواء لمسؤولين أو «خبراء»، يرى بوضوح حجم الضغوط التي تمر بها البشرية، بحثا عن عيد حقيقي تعيشها، ولو مرة أو بضع مرات في السنة.
أكثر من أدرك ذلك خبراء الدعاية والإعلان، فترى المحتوى مرتبطا دائما بالتعامل مع تلك الضغوط، وإن كانت أحيانا تتسلل إلى ذلك، عبر استهداف «المستهلك» بالحديث عن الأحلام، والكلام «الكبير» المنمّق.
نحمد الله على نعمة الفصول والمواسم، والتي أرادها سبحانه فواصل لالتقاط الأنفاس وإراحة النفس المتعبة والبحث عن الفرح، أنّى كان، على أن يكون دائما وأبدا فيما يرضيه سبحانه.
نعيش هذه الأيام المباركة أعيادا متلاحقة متداخلة. نحيي بها مواسم فرح ومنها عيد الفصح المجيد والقيامة العظيمة لدى إخوتنا المسيحيين حسب التوقيت الشرقي والذي يصادف اليوم الأحد. أعياد وأفراح، لن تنال منها بلطف الله الحروب ولا الأزمات.
ما زال الربيع متاحا، وقد أتانا هذا العام بحمدالله مبكرا. أمامنا فصل من أجمل فصول العام، «الصيف بساط الفقير»، و»الصيف للكيف». موسم ولا أجمل، يلتمّ فيه شمل الأردنيين من سائر أرجاء المعمورة بأحبتهم في الوطن المفدى.
أكرس بعون الله مقالة غد لأفكار صيفية حتى «نعيّد» على خير، نجحت
محادثات إسلام آباد، تعثرت أم انهارت لا قدّر الله. وفي كلٍ خير.. فمن حقنا
أن نفرح و»نعيّد» رغم أنف الأسى والأسف على من يتسببون به.