احمد ذيبان : جريمة إعدام الأسرى الفلسطينيين
وسط انشغال الرأي العام العربي والدولي بتداعيات الحرب بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة أخرى، أقر البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" قانونًا يتم بموجبه تنفيذ حكم الإعدام بالأسرى الفلسطينيين. وكانت ردود الفعل باردة نسبيًا، إذ أدانت هذا القانون بعض الدول العربية والجامعة العربية، فضلاً عن إدانات أوروبية، إلا أن الاكتفاء بالادانات التي لا تكلف شيئًا لا يكفي، بل لا بد من إجراءات عملية في إطار معاقبة الكيان الصهيوني.
في الأسباب الموجبة للقانون الصهيوني الجديد، أن من ينطبق عليهم هذا القانون هم المدانون بـ"القتل بدوافع إرهابية" من قبل المحاكم العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعددهم 117 أسيرًا في سجون الاحتلال، لكن عددهم قد يرتفع في ظل حكومة عنصرية متطرفة، ويمكن أن يتم تعديل القانون لاحقًا ليشمل كافة الأسرى الفلسطينيين.
كما يسمح القانون بإصدار حكم الإعدام دون الحاجة إلى طلب من النيابة العامة، كما لا يشترط الإجماع في القرار، إذ يمكن اتخاذه بأغلبية بسيطة. وهنا يخطر بالذهن ما يسمى بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهي كذبة كبيرة تتعامل معها دولة الاحتلال باحتقار، وأكبر دليل على ذلك ما ارتكبته إسرائيل خلال أكثر من عامين في قطاع غزة من حرب إبادة جماعية وجرائم حرب، حيث كانت قواتها تقصف كل شيء: الحجر والبشر، فضلاً عن المعاناة الإنسانية الهائلة التي سببتها لسكان القطاع من حيث النزوح المتواصل في ظروف بالغة القسوة، تفتقر إلى أدنى درجات الحياة الإنسانية، بالإضافة إلى نشر الأمراض والأوبئة.
ومن الأمور الجيدة أن تكون هناك تحركات قضائية لإلغاء القانون، تبنتها منظمات حقوقية وأعضاء في الكنيست، أبرزهم أيمن عودة وأحمد الطيبي، اللذان قدما التماسًا للمحكمة العليا الإسرائيلية يطعن بالقانون ويطالب بالتراجع عنه. وقد أمهلت المحكمة حكومة نتنياهو حتى 24 مايو/أيار لتقديم ردها على الالتماس الذي يطالب بإلغاء القانون، باعتباره يشكل سلبًا مطلقًا للحياة، ويفرض عقوبة قاسية وغير إنسانية، وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان على المدانين بموجبه.
كما حاجج الالتماس بأن "القانون يتعارض بشكل مباشر وجوهري مع أحكام القانون الدولي والتزامات إسرائيل بموجبه، إذ إن الاتجاه العام والمتواصل في القانون الدولي هو نحو إلغاء عقوبة الإعدام"، وربما يكون من قبيل السخرية الحديث عن التزام واحترام إسرائيل بالقانون الدولي.
يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلًا و73 سيدة، ويعانون وفق منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية من التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، ما أدى إلى وفاة العشرات منهم. وقد ظهرت الآثار الكارثية على الأسرى الفلسطينيين عندما نفذت صفقة تبادل الأسرى التي أبرمتها حركة حماس مع دولة الاحتلال قبل توقف الحرب على قطاع غزة، وفق خطة الرئيس الأميركي ترامب، حيث بدت آثار التجويع والأمراض على الأسرى، متمثلة بالهزال وفقدان الوزن وغيرها من النتائج.
وكان نحو 1200 شخصية إسرائيلية قد واجهوا انتقادات للقانون في فبراير/شباط الماضي، بينهم حائزون على جائزة نوبل، ومسؤولون سابقون في الجيش، وقضاة سابقون بالمحكمة العليا، وأكدوا معارضتهم الشديدة له، معتبرين إياه "وصمة أخلاقية". ومع ذلك، فإن الأمر الجوهري يتوقف على الموقف العربي والإسلامي.
من المهم التذكير بأن الأسرى الفلسطينيين يقعون ضمن تعريف الأشخاص المحميين بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة، التي تنص بوضوح على ضرورة توفير ضمانات قضائية عادلة، وتحظر العقوبات الجماعية أو الإجراءات الانتقامية، وهو ما يتناقض مع القانون الذي أقره الكنيست، حيث يفتح إقرار عقوبة الإعدام في هذا السياق الباب أمام شبهة الإخلال بهذه الالتزامات، خاصة إذا ما ارتبط بمحاكمات تفتقر إلى معايير العدالة الدولية. ويمكن الحديث طويلاً عن هذا القانون بوصفه تحوّلًا خطيرًا في بنية التعاطي مع ملف الأسرى، من حيث دلالاته العميقة على مستوى المنظومة الحقوقية والقانونية.
وهو أمر يتناقض مع إجراءات وقوانين الاحتلال، ومن العبث التذكير بالتزامات إسرائيل تجاه القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان، أو الحديث عن ديمقراطية إسرائيلية. فهذه الدولة أنشئت وفق قوانين عنصرية، تقوم على أساس تهجير أهل فلسطين الأصليين واستبدالهم بالمستوطنين الذين تم استقدامهم من مختلف أنحاء العالم.
ومن الناحية الحقوقية، يثير هذا التشريع إشكالية مركزية تتعلق بالحق في الحياة، الذي يعد حجر الزاوية في منظومة حقوق الإنسان، ولا يجوز الانتقاص منه إلا في أضيق الحدود وضمن شروط صارمة للغاية.