الأخبار

داودشاهين : تجار اشاعات … وأغنياء حرب

داودشاهين : تجار اشاعات … وأغنياء حرب
أخبارنا :  

داود شاهين

المتجول في الوسط التجاري للعاصمة عمان يتفاجأ بحجم المواد المعروضة من شموع وفوانيس ومستلزمات طوارئ عرضها التجار، نتيجة لإشاعات تم إطلاقها عن احتمالية تعرضنا لأي شكل من أشكال الحرب أو المواجهة.

هذه المواد من المؤكد أنه لم يتم استيرادها حديثاً، وإنما كانت حبيسة المستودعات، حيث عمل بعض أصحابها على ترويج الإشاعات بهدف بيعها في الظروف السياسية الراهنة والتخلص منها بأسعار خيالية تفوق تكلفتها الفعلية بأضعاف مضاعفة، مما يجعل من هؤلاء المتداولين لهذه المواد "تجار وأغنياء حرب”.

على سبيل المثال لا الحصر، الشموع التي كانت تباع بمبلغ (ربع دينار – 25 قرشاً) ارتفع سعرها إلى دينار ونصف وأكثر في العديد من المحلات، وهذا مثال ينطبق على العديد من المواد المستعملة في حالات الطوارئ.

إن المشهد العام لا يختلف كثيراً عن المشهد أيام جائحة كورونا، عندما ارتفعت أسعار المستلزمات الطبية إلى ما يزيد عن خمسة أضعاف سعرها الأصلي. وقد أكد لي أحد الأصدقاء، الذي يعمل في مجال الطباعة والتغليف، أن تجار الجملة للمواد المتعلقة بهذا المجال قد رفعوا أسعارهم بنسب تتراوح بين 30% – 70%، مما انعكس على سعر المنتجات التي ينتجها، حيث اضطر بدوره لرفع أسعارها. ولم تتوقف ظاهرة رفع الأسعار على هذه المنتجات فحسب، بل شملت جميع المواد والبضائع، حتى وجدنا أن سعر قارورة الماء في بعض المحطات قد ارتفع بمعدل نصف دينار للقارورة الواحدة.

الحرب الإيرانية الأمريكية ومضيق هرمز ليسا السبب وراء ارتفاع أسعار السلع في السوق؛ فالسبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع هو جشع وطمع بعض التجار. فبينما تحبس المنطقة أنفاسها ترقباً لطلقة من هنا أو غارة من هناك، وبينما ينشغل المحللون العسكريون برسم مسارات الصواريخ العابرة للحدود، تنطلق "صواريخ” من نوع آخر من خلف طاولات الحسابات في المخازن المظلمة؛ صواريخ تخترق جيوب المواطنين قبل أن تصل أي بارجة إلى مضيق هرمز.

لقد وجد "سماسرة الأزمات” في قرقعة السلاح ضالتهم المنشودة، فاتخذوا من أخبار السياسة "شماعة” يعلقون عليها خطاياهم الاقتصادية. فالمضيق -رغم أهميته الاستراتيجية- لم يُغلق أبداً أمام تدفق جشعهم، والسفن التي يزعمون تعثرها في البحار يبدو أنها رست بسلام في مخازنهم المحصنة، ليتم تقطير محتواها لعامة الشعب بأسعار تفوق الخيال.

إنها "بورصة الهلع” التي يديرها تجار لا دين لهم سوى الربح، ولا بوصلة توجههم إلا استغلال خوف الناس من القادم. هؤلاء الذين يرفعون أسعار بضائعهم لمجرد سماع تصريح سياسي عابر، يمارسون إرهاباً معيشياً لا يقل خطورة عن إرهاب المدافع؛ فهم يعلمون جيداً أن المستهلك المذعور سيدفع مرغماً.

كفانا استخفافاً بالعقول! فالأسعار لا تقفز لأن "مضيق هرمز” مضطرب، بل لأن "مضيق الضمير” لدى هؤلاء قد أُغلق تماماً بالسلاسل والأقفال. إن التاجر الذي يقتات على جراح الأزمات هو العدو الحقيقي في الداخل؛ فهو لا ينتظر حرباً ليدمرنا، بل يصنع من قوتنا اليومي ساحة معركة يخرج منها دائماً هو "المنتصر” الوحيد، تاركاً خلفه شعباً يحارب من أجل البقاء، ليس ضد الرصاص، بل ضد "فاتورة الحساب”.

والحقيقة التي نعرفها جيداً أن غياب الرقابة وضعفها هو الذي سمح لـ "الحيتان” أن تنهش في جيوب البسطاء، تحت حجة "السوق المفتوح” و”تعويم الأسعار”، حيث سُمح للتاجر أن يسعّر ويبيع ويشتري بالطريقة التي يراها مناسبة له.

المشكلة ليست في "المضيق” هناك.. بل في "الضمير” الذي غاب عندما أمن التاجر العقوبة، وعلم أنه لا حساب ولا رقابة ولا "عين حمراء” تراقب مخازنه؛ فمن الطبيعي حينها أن يضاعف السعر بحجة الحرب ومضيق هرمز.

إن السوق المفتوح لا يعني أن "المال السائب يعلم السرقة”، ولا يعني أن نترك المواطن يغرق في "بحر التعويم” وحيداً. نحن نحتاج إلى رقابة حقيقية في الشارع، تحاسب كل من يخزن السلع، ويرفع الأسعار، ويتلاعب بلقمة عيش الناس.

حمى الله الأردن والاردنيين من مروجي الإشاعات و أغنياء الحرب الجشعين

ــ الشاهين الاخباري

مواضيع قد تهمك