الأخبار

على ضوء شمعة

على ضوء شمعة
أخبارنا :  

بسام السلمان

فجأة… وبدون أي إنذار، انقطع التيار الكهربائي عن حينا بالكامل. كان المطر يهطل بغزارة في أول أيام نيسان، لا كذبة نيسان هذه المرة، بل حقيقة داهمتنا ونحن في دفء بيوتنا.

في اللحظة الأولى شعرنا بالضيق، فقد اعتدنا الضوء الدائم، وضجيج الأجهزة، وحضور الكهرباء كأنها حق أبدي لا يغيب. العتمة بدت غريبة علينا، وكأننا فقدنا شيئًا أكبر من مجرد إنارة.

لكن أم أحمد كان لها رأي آخر. وقفت منتصرة وهي تشعل الشموع التي اشترتها قبل أيام، رغم اعتراض الجميع. لم تكن كمية كبيرة، لكنها كانت كافية لتمنحها شعور الفوز المعنوي على أفراد العائلة الذين سخروا من فكرة شراء الشمع أو الفانوس أو حتى جالون كاز احتياطًا. كنا نثق بالله أولًا، ثم بالحكومة، وبأن المحروقات متوفرة، وأن الحروب ستنتهي قريبًا، وأن الحياة ستبقى مستقرة كما اعتدناها.

جلست الشمعة بيننا، صغيرة الحجم كبيرة المعنى. استمر انقطاع الكهرباء أقل من نصف ساعة، وهو بالمناسبة عطل فني، لكنها كانت نصف ساعة مختلفة تمامًا. أوقفنا استخدام الهواتف خوفًا من نفاد البطارية، فاكتشفنا شيئًا كدنا ننساه، الحديث العائلي.

تكلمنا… ضحكنا… أصغينا لبعضنا دون شاشة تتوسطنا.

بالنسبة لي، أعادتني الشمعة سنوات طويلة إلى الوراء، إلى أيام الرمثا زمان، حين كان انقطاع الكهرباء حدثًا شبه يومي، وحين كانت العائلة تجتمع قسرًا لكنها تخرج من تلك اللحظات أكثر قربًا ودفئًا.

على ضوء تلك الشمعة شعرت بامتنان عميق. حمدت الله على نعمة الأمن، ونعمة الوطن، ونعمة الكهرباء التي لا ندرك قيمتها إلا عندما تغيب. وتذكّر أحد الأبناء شعوبًا عربية وإسلامية ما زالت تعيش على ساعات محدودة من التيار الكهربائي، تقاوم العتمة كل ليلة، وتنتظر الضوء كما ينتظر الغريق نجاة. وأدركنا أن النعم لا تُرى في ضورها، بل في لحظة غيابها.

انتهى الانقطاع سريعًا، وعاد الضوء فجأة، فعادت معه الشاشات والأصوات والأجهزة… لكن شيئًا ما بقي مضيئًا داخلنا.

شمعة صغيرة ذكّرتنا بأن الدفء الحقيقي ليس في الكهرباء، بل في القلوب حين تجتمع.

اللهم احفظ وطننا، واحفظ بلدنا، وأدم علينا نعمة الأمن والنور.

مواضيع قد تهمك