المؤرخ إيلان بابيه : الصهيونية المسيحية أقنعت ترامب بمهاجمة إيران ونتنياهو يستغلها للبقاء في الحكم
تونس-: قال إيلان بابيه، المؤرخ الإسرائيلي المؤيد لفلسطين والمناهض للصهيونية، إن هناك تيارا صهيونيا مسيحيا له طابع خلاصي "مسياني” أقنع ترامب بمهاجمة إيران، مؤكدا أن رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، من أكثر المستفيدين من تواصل الهجوم على إيران، على اعتبار أنه سيساهم في تأخير الانتخابات الإسرائيلية وتمكينه من الاستمرار في الحكم.
وأضاف بابيه في حوار خاص مع "القدس العربي”: "هناك تيار إسكاتولوجي (آخرَوي أو خلاصي) صهيوني مسيحي دفع ترامب إلى هذا الاتجاه. أفضل طريقة لفهم التأثير الإسرائيلي، في رأيي، هي إدراك أن من بين المقربين من ترامب، انعزاليون لم يؤيدوا هذه المغامرة، وآخرون أيدوها تأييدًا كاملًا، بمن فيهم جماعات الضغط النفطية”.
بابيه: هناك تيار إسكاتولوجي (آخرَوي أو خلاصي) صهيوني مسيحي دفع ترامب إلى مهاجمة إيران
وتابع بابيه: "كان تأثير الطرفين على ترامب متساويًا تقريبًا، حتى تدخلت إسرائيل وقلبت الموازين تمامًا لصالح مسار الحرب التي يبدو أن ترامب لا يملك أي فكرة عن كيفية إنهائها. في حين أن نفس الدائرة المقربة -وخاصة وزير خارجيته ماركو روبيو- دفعته بالفعل إلى تحويل الأنظار من إيران إلى كوبا، التي يعتبرها مملكته الصغيرة. ولو استبعدنا إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها من المعادلة، لما هاجمت أمريكا إيران”.
ويرى البعض أن الهجوم على إيران هو محاولة للقضاء على آخر "قوة إقليمية” قادرة على عرقلة "الحل النهائي” للصراع الإسرائيلي الفلسطيني (وفق الرؤية الإسرائيلية)، فيما يرى آخرون أنه مجرد مخرج من الأزمات الداخلية للمشروع الصهيوني.
وعلق بابيه على ذلك بالقول: "كما هو الحال دائمًا في التاريخ، فإن لمثل هذه الهجمات أكثر من سبب واحد. فالاستراتيجية الإسرائيلية تستند إلى عدة عوامل، أحدها الأجندة الشخصية لبنيامين نتنياهو، الذي ينصبّ اهتمامه الرئيسي على بقائه السياسي. لقد سعى إلى هذه الحرب، لا بدافع قلق حقيقي من التهديد الإيراني لإسرائيل، بل باعتبارها أفضل سبيل للمضي قدمًا نحو انتخابات بدا، قبل الهجوم، أنه لن يتمكن من الفوز بها”.
وأضاف: "ثمّة حلفاء أيديولوجيون يتبنون أيديولوجية مسيانية (خَلاصية) ترى في الحرب فرصة نادرة لإعادة بناء مملكة توراتية ستكون القوة الإقليمية المهيمنة، وهي هيمنة تمكّنها من إتمام تهويد فلسطين بأكملها (عن طريق التطهير العرقي بالدرجة الأولى) وتوسيع إسرائيل شمالاً حتى نهر الليطاني وشرقاً إلى جزء من جنوب سوريا (بل إن بعضهم يحلم بتوسيعها إلى الأردن). وفي هذا الصدد، تُشكّل إيران، وإلى حدٍّ ما تركيا، عقبات أمام هذه الهيمنة”.
وتابع بابيه: "ثم لديك الصناعة العسكرية التي يزيد كل استعراض للقوة من أرباحها، وجيش اعترض بعض ضباطه على هذه المغامرة، لكن عددهم أقل من عدد الضباط الذين يتبنون الأفكار المسيانية. أما بقية المجتمع الإسرائيلي، فيتبنى الرواية القائلة بأن كل هذا يهدف إلى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية أو قدرات صاروخية باليستية – وقد كان واضحًا من الحرب السابقة، قبل بضعة أشهر، أن هذه الأهداف قابلة للتحقيق”.
وفي ذات السياق، يرى بعض المراقبين أن إسرائيل تنظر إلى إيران على أنها العقبة الوحيدة المتبقية أمام فرض "نظام إقليمي جديد” تحت هيمنتها المطلقة.
وعلق بابيه على هذا الأمر بالقول: "إلى حد ما، نعم، لكن إيران ليست القوة الإقليمية الوحيدة التي تدعم النضال الفلسطيني، فتركيا، إلى حد ما، تُظهر ثباتًا ملحوظًا في دعمها للنضال الفلسطيني قولًا وفعلًا”.
واستدرك بالقول: "ولكن دعم إيران لفلسطين هو أكثر تعقيدًا، إذ تُبدي اهتمامًا حقيقيًا بالحقوق الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى صرف انتباه مجتمعها عن إخفاقاتها في مجال حقوق الإنسان والأداء الاقتصادي. ولعل أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال هي التساؤل عما كان سيحدث لو غيّرت إيران سياستها تجاه فلسطين وإسرائيل تغييرًا جذريًا”.
"ثمّة حلفاء أيديولوجيون يتبنون أيديولوجية مسيانية ترى في الحرب فرصة نادرة لإعادة بناء مملكة توراتية ستكون القوة الإقليمية المهيمنة، وهي هيمنة تمكّنها من إتمام تهويد فلسطين بأكملها
وأضاف بابيه: "لا شك أن ذلك (تغيير السياسة الإيرانية) كان سيُسهّل على إسرائيل، على المدى القصير، التصرّف بما فيه الكفاية دون خشية من ردود فعل إقليمية. مع ذلك، فبدون هذا التغيير، سيرتبط الفلسطينيون، دون داعٍ، بأيديولوجية شيعية شاملة، وستحظى الحركة الوطنية بفرص أفضل للتحرر على المبادئ التي أرشدت منظمة التحرير الفلسطينية في سنواتها الأكثر نجاحًا قبل عام 1982”.
وفسر اعتماد نتنياهو المتزايد على النصوص التوراتية لتبرير المواجهة مع إيران، بالقول: "نتنياهو سياسي انتهازي. يعتمد على نصوص تحمي ائتلافه في البيئة الثقافية لقاعدته الشعبية (مجتمع المستوطنين في الضفة الغربية واليهود العرب المتدينون الذين نبذوا النسخة القديمة المتسامحة من اليهودية التي ميزت اليهود العرب في العالم العربي، وحتى في السنوات الأولى لدولة إسرائيل)”.
وتابع بابيه: "بالنسبة لنتنياهو، هذا تكتيك ناجح لأنه يلقى استحسان الصهاينة المسيحيين في أمريكا. وهو يفعل ذلك لأنه بالفعل حدث تحول هيكلي في الصهيونية نحو النزعة المسيانية المتطرفة -كما أشرت سابقاً- برؤية لإسرائيل عظمى تهيمن على المنطقة وتزيل الطابع العربي عن فلسطين تماماً”.
وحول العلاقة بين التصعيد ضد طهران وتسارع وتيرة الضم والتهجير في الضفة الغربية وقطاع غزة، قال بابيه: "هذا جزء من الاستراتيجية نفسها التي تنتهجها هذه الحكومة وهذه النخبة السياسية. فالتركيز على إيران يصرف الانتباه الدولي عن تصاعد العنف ضد سكان الضفة الغربية، كما أن التطهير العرقي التدريجي هناك هو جزء من الرغبة في بناء هذه الهيمنة الإقليمية”.
ــ "القدس العربي”