الأخبار

بشار جرار : ابشر ..

بشار جرار : ابشر ..
أخبارنا :  

لا نقول لبيك أبدا. تلك لا تقال إلا لرب الأرباب سبحانه. كان ذلك اقتباس من دردشة متعددة اللهجات في حفل واشنطوني قبل سنوات، جمع لفيفا من الإخوة والأصدقاء والجيران والزملاء.

كانوا من «بلاد العرب أوطاني». وزاد عليهم معارف ممن لا يتحدثون العربية كلغة أم، لكن بعضهم يتقن ما يشبه الأدب المقارن أو دراسة علم مقارنة الأديان.

وبين ما بالإمكان وصفهم بالمستشرقين، كان هناك حشد ممن أسميتهم في مقالات سابقة وفي كتابي «بوح مهاجر: على ضفاف نهر الأردن والبوتامك»، بمعشر «المستغربين»! هم تلك الفئة التي يظن مستخدموها «الأجانب» أنهم صاروا خبراء في الشؤون الغربية عموما، لمجرد تعلم اللغة أو الإقامة هناك أو اكتساب الجنسية أو الانتساب عن بعد لمركز دراسات «غير ربحي وغير حكومي» طبعا، في إحدى عواصم دولة من دول الناتو أو الاتحاد الأوروبي أو الدول الاسكندنافية.

أعود لتلك الدردشة التي كاد أن يحتدم فيها السجال أثناء تناول لُقيمات ما يعرف ب «فِنْغِر فود» إلى مواجهة حامية الوطيس، على خلفية لغوية ثقافية عقائدية.

حاول نفر من الإخوة في ثلاث أقطار متباعدة هي العراق ولبنان واليمن، التخفيف من دلالات هتافات وشعارات تصرف دون ورع كلمة «لبيك» لغير الذات الإلهية في تلك الفريضة الكبرى، فريضة العمر مرة واحدة لمن استطاع إليها سبيلا، حيث تصدح الحناجر وتصدع من قبلها القلوب بأن «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك».

ما كنت لأذكر تلك الحادثة وذلك الموقف في تلك الأمسية التي تم فيها توفير المشروبات لمن أراد وبالمجان، لولا ذلك التناقض الصارخ بين طبطبة بعض المستشرقين على بعض المستغربين، وبالعكس، لغايات مصلحية بحتة، تجمعها أحيانا خلوات للعصف الفكري في فنادق ومنتجعات سبع نجوم!

حسمت «المْشارَعَة» يومها كما يسمي إخوتنا اللبنانيون «المْداقَرة» أو السجال البيزنطي، باقتراح مصطلح أردني خليجي عربي أصيل، ضارب الجذور في تراثنا وموروثنا الروحي والوطني، لا بل وجامع للأديان والحضارات كافة، ألا وهو «ابشر». ابشر بالفزعة.. ولمن لا يعرفها، هي تلك الحَميّة القائمة على النخوة والشهامة النابعة من الأصالة، الممتدة أجيالا، كابر عن كابر.. مسألة لا تكتسب بأوراق ثبوتية، بل يربو عليها ويكبر فيها وبها، فلذات الأكباد، بين الآباء والأمهات والأجداد والأنسباء والأصهار الأصايل..

تم استحسان الاقتراح حينئذ، وقد كنا في تلك الأيام السوداء، أيام الربيع العربي المزعوم المشؤوم. وها هي الأيام -وقد دخلنا أسبوعنا الخامس من حرب إيران، ها هي تشير إلى أن «التلبيات» الفصائلية الموالية لنظام ملالي إيران من قبل حزبالله والحشد والحوثي، ما هي تلبيات لله ولا للوطن، ولا حتى لزعماء فصائلهم! ما كانت ولن تكون يوما إلا لمن يوالون وله يلبون.

مواضيع قد تهمك