أ. د. صلاح العبادي : العقدة الصعبة
دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيليّة الإيرانيةّ يومها الـ33 ، وهي تخيّم على الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة في منطقة الشرق الأوسط، لا بل والعالم بأسره.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي أبلغ عددا من أركان إدارته بقرب إنتهاء هذهِ الحرب، التي أضعفت القدرات الصاروخيّة الإيرانيّة، وكذلك قواعد ومعسكرات الحرس الثوري الإيراني والباسييج، وأنهت المشروع النووي الإيراني الذي كانت تعمل إيران عليه منذ عقودٍ من الزمن، على حساب اقتصاد إيران وشعبها، والذي ازدادت نسبة الفقر فيه؛ خلال فترة ما قبل الحرب حتى وصلت إلى الأربعين في المئة.
أعين الرئيس ترامب تتجه صوبَ جزيرة خرج الإيرانيّة، التي أصبحت من شريانٍ رئيسيٍ للنفط، إلى كسر القدرة الماليّة لطهران.
فهذهِ الجزيرة أصبحت محور الأساس في الاستراتيجّية الأمريكيّة؛ فالجزيرة تمرُ من خلالها نحو تسعين بالمئة من صادرات النفط الإيرانيّة، وتمثل عمليًا العمود الفقري لاقتصاد طهران، وهو ما يجعلها هدفًا مباشرًا في أي محاولة أمريكيّة لاضعاف النظام ماليًا.
الرئيس ترامب أكّد هذا التوجه غير مرّة، إذ أشار إلى أنّه يفضّل الاستيلاء على النفط الإيراني، في وقت يدرس إمكانيّة السيطرة على جزيرة خرج.
السيناريوهات المحتملة المطروحة في واشنطن تتراوح بين السيطرة على الجزيرة وموانئها النفطيّة أو تعطيل بنيتها التشغليّة، بما يؤدي إلى قطع تدفق الإيرادات المالية من عوائد النفط.
تقديرات داخل الإدارة الأمريكيّة تشير إلى أنّ هذه الخطوة قد توجّه ضربة قاسمة للحرس الثوري الإيراني باعتباره المستفيد الرئيسي من عائدات النفط، وقد تسارع الوصول إلى نهاية الصراع وحسم الحرب؛ لكنّ هذا المسار محفوفٌ بمخاطر واسعة. فأي استهداف محتملٍ لمنشآت الطاقة بهذا الحجم لا يقتصرُ تأثيره على إيران، بل قد يفتح الباب أمامها لتصعيد تهديداتها لحرية الملاحة، وربما يؤثر بشكل أكبر على استقرار أسواق الطاقة عالميًا، كما قد يعارض ذلك القوات الأمريكيّة لاحتمال مواجهة فخاخٍ وكمائن نصبتها إيران في الجزيرة، إضافة إلى خطر الألغام المزروعة بريًا وبحريًا، وسهولة استهداف عناصر الجيش الأمريكي في حال دخولهم للجزيرة عبّر الطائرات المسيّرة رخيصة الثمن.
فبين حسابات الضغط الاقتصادي واحتمالات التصعيد تبقى الجزيرة هدفًا مغريًا عسكريًا، لكن بثمنٍ قد يتجاوز حدودها الجغرافيّة.
وبين تصريحات ترامب المتعلقة في قرب إنهاء الحرب وبصيص أملٍ للوصول إلى تسوية دبلوماسيّة تنهي هذهِ الحرب، يدور التساؤل حول مدى إمكانية إعطاء الدبلوماسيّة المغلقة الفرصة أم أنّ لا محالة من مواصلتها؟
مما لا شك به أنّ المسار الدبلوماسي والتفاوضي مع اضعاف قدرات إيران على الصعيد العسكري، من شأنه أن يكون أكثر نجاعة لاحتواء تداعيات الحرب، في وقت لا أحد يعلم النتيجة المتوقعة من المسار التفاوضي للتوصل إلى حلولٍ تتقبلها الولايات المتحدة، وكذلك دول المنطقة التي هي ليست طرفًا في الحرب، ومع ذلك تسعى إيران للعب في أمنها واستقرارها وتهديدها عبر وكلائها وأذرعها في المنطقة.
تصريحات الرئيس ترامب المتكررة توحي بقرب انتهاء الحرب، لكنّ ما يجري على أرض الواقع يختلف تمامًا، فصواريخ إيران وطائراتها المسيّرة ما زالت مستمرة في العدوان على أراضي المملكة الأردنيّة الهاشميّة ودول الخليج العربي، وبنود الاتفاق الخمسة عشر ما زالت في جمود، دون التوصل لهدم الفجوة بين مطالب واشنطن من جهة، وما تريده طهران من جهة أخرى، وهو ما يشكّل العقدة الصعبة.
كما أنّ الحديث عن المسار التفاوضي الدبلوماسي يطرح سؤالًا في غاية الأهميّة حول من يقوم بهذهِ الوساطة والمفاوضات، لاسيما من جهة الجانب الإيراني، وهل المفاوض الإيراني يملك القرار أم أنّ القرار بيد مفاصل متشعبة في الحرس الثوري الإيراني؟ وما هو فحوى هذا التفاوض في ظل التشابك بين مطالب واشنطن وطهران؟.
المهلة الأمريكيّة الممنوحة للجانب الإيراني في عدّها التنازلي وستنتهي الأسبوع المقبل، ولا أحد يعلم ما في نوايا الرئيس ترامب من تجديد مدّة المهلة الممنوحة لإيران في حال عدم التوصل لاتفاق، أم أنّ التوسع في قاعدة أهداف الحرب من الجهة الأمريكيّة قرار لا محالة عنه.
كما أنّه من المؤكّد بأنّ العملية البريّة الأمريكيّة إن حدثت ستكون محددة الأهداف، وإلا الرئيس ترامب يكون قد دخل في حرب طويلة الأمد، وهو ما يتعارض مع الجانب القانوني والذي يتطلب موافقة الكونغرس؛ إذ يتعين عليه إنهاء العمليات العسكريّة مع نهاية شهر نيسان الحالي، عدا عن كونه لا يسعى إلى إطالة أمد الحرب التي هي في الأسبوع الخامس.
كما أنّ العمليّة العسكريّة الأمريكيّة البريّة إن حدثت ستكون للاستحواذ على اليورانيوم المخصّب أو السيطرة على جزيرة خرج الإيرانيّة من أجل النفط، وهي ستكون مكلفة على الجيش الأمريكي، لأنّ السيطرة على الجزيرة يحتاج إلى بقاء لفترة زمنيّة طويلة، وبالتالي سيوقع عددا كبيرا من القتلى الأمريكيين أو سقوط عدد منهم كرهائن وهو الأخطر بالنسبة للبنتاغون؛ وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحمله الرئيس الأمريكي ترامب.
وفي ضوء المشهد المعقد فالدخول البري أو التلويح به قد يكون من أجل مواصلة الضغط العسكري على إيران، والحصول على أفضل ما يمكن من خلال المسار الدبلوماسي.
مدير مركز الرّأي للدراسات والأبحاث